التسوّل من الظواهر السلبية التي ابتليت بها جميع المجتمعات البشرية

شملت جميع الدول حتى الغنية والمتطورة اقتصادياً
بغداد – الصباح الجديد:
تعد ظاهرة التسوّل من الظواهر السلبية التي ابتليت بها المجتمعات البشرية كافة وقد تنوّعت أشكالها وصورها من مجتمع لآخر، فالبعض يقف في الشوارع المزدحمة أو امام ابواب المساجد والكنائس ومحال البَيع، أو في المقابر، أو في أماكن التجمعات بعضهم يحمل آلة موسيقية ويعزف عليها، وآخرون يقومون ببعض الممارسات البهلوانية التي تجلب المرح للمشاهدين، إلى غيرها من الأشكال والصور ، وقد وضعت بعض الدول حلولاً للقضاء عليها، ولكنها لم تفلح إلاّ قليلاً، وهذه الظاهرة لا تقتصر على الدول الفقيرة، وإنما شملت جميع الدول حتى الغنية والمتطورة اقتصادياً.
للتسوّل أسباب عديدة لا يمكن حصرها في محور واحد ، ولكن الدافع الوحيد لها هو الحصول على المال ، وبمرور الزمن يتحوّل التسوّل نفسه إلى دافع وباعث، وإن وصل المتسوّل إلى حد الاكتفاء والإشباع أو ترقّى ليصبح من طبقة الأثرياء ، فنراه يبقى ملازماً للتسوّل إلى نهاية العمر.
ويمكن ان نلخص أسباب التسوّل الى عدم الحصول على مستلزمات الحياة الأساسية كالمأكل والمشرب والملبس ، بسبب البطالة وعدم وجود مهنة أو حرفة لدى الشخص المتسوّل ، أو أن له حرفة ولكنها لا تكفي لسد احتياجاته، لكثرة افراد عائلته أو لارتفاع أسعار المواد الغذائية ومتطلبات الحياة ، اضافة الى عامل الكسل وهو حبّ الراحة ، وعدم بذل الجهد العقلي والعضلي باتخاذ عمل معين أو حرفة معينة ، فيجد المتسوّل له مجالاً للحصول على المال المطلوب من دون تعب أو جهد يبذله، وغالباً ما يكون المال المحصّل أكثر بكثير مما لو اتخذ عملاً عضلياً أو عقلياً.

ذوو العاهات
كما ان اسباب التسول الاخرى تعود الى النقص العقلي والجسدي الذي يرافق ذوي العاهات والأمراض المزمنة والعاجزين عن العمل والمعوقين خلقة أو بسبب حادث أو عارض ما او فقدان المعيل فاليتيم والأرملة الفاقدان للعائل ، قد يختاران التسوّل بسبب حرمانهما من المعيل الذي يوفّر لهما مستلزمات الحياة المادية والروحية، فيفتقدان المال والإشراف والتوجيه التربوي الذي يربّيهما على عزّة النفس وكرامتها ، ويمنعهما من اتخاذ الأعمال الوضيعة ومن إذلال النفس بالتسوّل وغيره.
ان التربية الخاطئة في مرحلة الطفولة وتعليم الأطفال على طلب الحاجة إلى الغير، وبطلب العون من كل أحد قد يحصل الأنس بالتسوّل فقد يتسوّل البعض للحصول على المال ، ولكن بمرور الزمن يحدث لديهم أنس بالتسوّل نفسه ، فيصبح المتسوّل ثرياً، أو قد يجد ما يكفيه من المال من ابن أو من قريب أو ما شابه ذلك، ولكنه لا يترك التسوّل لاعتياده عليه، ولحدوث حالة الأنس بينه وبين التسوّل ، اضافة الى توارث الظاهرة من الآباء وانتقالها إلى الأبناء: فأغلب المتسوّلين يصحبون أطفالهم في أثناء التسوّل ، لتصبح مهنتهم هي التسوّل بعد التعوّد عليها وعدم وجود الرادع لهم .
وهناك من الاسباب الاخرى المرض النفسي ويتمثّل بالشعور بالنقص وعدم الاعتراف بالذل ، إضافة إلى الطمع والجشع وعدم القناعة ، وكذلك سوء توزيع الثروات داخل المجتمع , وقلّة التراحم والاقتصار على بذل اليسير من المال غير الكافي لسدّ حاجة المحتاجين، أو الذي لا يصل إلى مستحقيه بصورة عادلة فالمتسوّل قد لا يجد من يعطف عليه لإشباع حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن ، فيوزّع طلباته على كل الناس، ليجمع منهم اليسير، وليعطيه كل شخص جزءاً يسيراً من المال ، حتى يحصل بتجميعها مبلغا لا بأس به.
الى ذلك افاد مصدر امني بأن اغلب المتسولات يلجأن الى تأجير أطفال دون الخامسة مقابل اجر يومي لعائلاتهم من اجل استمالة عطف الناس وزيادة وارداتهن المالية.

تأجير الاطفال
وقال المصدر إن «فريقاً متخصصا درس ملف المتسولات في الشوارع والتقاطعات وتبين أن اغلبهن يلجأن الى تأجير أطفال دون الخامسة من عائلات فقيرة جدا مقابل مبالغ تتراوح من 5 – 10 آلاف دينار يوميا من اجل إعطاء ملامح البؤس وزيادة التعاطف الذي يزيد من وارداتهن المالية».
وأضاف المصدر الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، أن «90% من المتسولات والأطفال هم من محافظات مجاورة، خاصة العاصمة بغداد ويجري نقلهن وتوزيعهن من قبل أشخاص يديرون ملف التسول وكأنه مهنة بالنسبة لهم».
وتابع المصدر، أن «بعض المتسولين جرى استغلالهم في المشهد الأمني من خلال التجسس على بعض المقرات الأمنية، لكن الأمر أحبط وتم معالجته من خلال منع اقترابهم من أي مؤسسة أو مقر امني في عموم مناطق ديالى».
لم يتطلب الأمر أكثر من ساندويتش «فلافل» وعلبة بيبسي كولا حتى تبوح بما لديها، إذ أنها من دون طعام منذ ساعات الصباح الأولى، في حين تنتقل بين المركبات ببطء وهي تردد عبارة «المساعدة لوجه الله»، هذا هو حال أم إيمان التي تقول إن «أجرة الطفل الرضيع الذي عادة ما تحمله المتسولات، لا تتجاوز الخمسة آلاف دينار باليوم الواحد (نحو أربعة دولارات)»، موضحة أن «تلك الأجرة ترتفع لتصل الى 10 آلاف دينار (نحو ثمانية دولارات) في اليوم الواحد، في حال كان الطفل مصاباً بإعاقة جسدية ، كونه يثير عاطفة الناس وبالتالي يجلب الحظ والمزيد من المال للمتسولة».
وتؤكد «أم إيمان» التي ترفض الإفصاح عن اسمها الصريح لأسباب اجتماعية، أن «الفقر والعوز المادي دفعاني للتسول في الطرقات والتقاطعات منذ أكثر من عام، كوني نازحة من إحدى مدن شمال البلاد»، موضحة أن زوجها اختفى في أوضاع أمنية معقدة، لتبدأ بعدها معاناتها في عالم التسول من اجل إعانة أربعة أطفال صغار.
وتضيف، أن «الطفل الذي أحمله هو ابني الحقيقي وليس مستأجرا»، لكنها أقرت بوجود متسولات أخريات يحملن أطفالاً ليس لهن أي علاقة بهم، رافضة البوح بالمزيد من التفاصيل «لأن الأمر لا يعنيها»، حسب تعبيرها.
التسول تحول الى مهنة
أن «التسول تحول الى مهنة بالنسبة للكثيرين، والبعض منهم بدأ يعتمد أساليب متعددة لكسب تعاطف الناس، ولعل في مقدمتها استغلال الأطفال الصغار الذين تحولوا الى سلعة بيد البعض للمتاجرة بمعاناتهم مقابل مبالغ بخسة». الى ذلك يقول احد الناشطين المدنيين إن «عمليات البحث والتدقيق تثبت أن بعض النساء المتسولات يعتمدن على أطفال بعض الأسر الفقيرة مقابل اجر مادي معين»، ووصفهم بأنهم «ملائكة للإيجار» ، كما أن «إيجار الأطفال يستدعي وقفة جادة من قبل الجهات المختصة، لأنهم عرضة للمخاطر والانتهاكات ويمكن استغلالهم في مجالات متعددة».
بدوره يقول المتحدث باسم الشرطة إن «بعض المتسولين جرى استغلالهم من قبل بعض التنظيمات المتطرفة خلال السنوات الأخيرة»، مؤكدا أن «أعداد المتسولين في شوارع بعقوبة وبقية مدن ديالى بارتفاع متزايد نتيجة ما يعرف بالتسول الوافد من محافظات أخرى».
ويشير المتحدث الى «وجود سلسلة إجراءات تمنع وجود المتسولين قرب الوحدات والمقار الأمنية والحكومية لتفادي أي خروق»، مجدداً تأكيده على «ضرورة اتخاذ سبل معالجة ملف التسول في شوارع ديالى من قبل الجهات الحكومية المختصة عن طريق شمولهم ببرنامج الرعاية الاجتماعية». وهو في الوقت ذاته يحذر من أن «وجود نساء وأطفال في الطرقات سيعرضهم لمخاطر جمة، وربما يجري تجنيدهم فيما يهدد الأمن العام من قبل المتطرفين».

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة