لا تسوية مع المذعور والمعطوب

منذ اللحظة التي سنحت فيها الفرصة للحشود للتظاهر بعد زوال النظام المباد، وانطلاق شعار (لا سنة ولا شيعة وطنه أبد منبيعه) ادركت نوع الهموم والصراعات التي ستبرز بعد الفتح الديمقراطي المبين. ادركت ان القوم من شتى الرطانات والبيارغ والازياء مدججين بثارات القرن السابع الهجري، وسوف لن يتوانون عن تحويل لحظة سقوط “جمهورية الخوف” الى كرنفال من فيدراليات للخوف ونشر مناخات الكراهة والتشرذم بين شعوب وقبائل وملل المستوطنة القديمة.
قبل العودة الى الوطن من المنافي، تحسست حجم ذلك الانحطاط الذي انحدر اليه المجتمع العراقي (افرادا وجماعات) من خلال لقاءاتي بالقادمين من الوطن الى دمشق نهاية التسعينيات، ادركت ان عقود من الهيمنة المطلقة لسلطة (أوباش الريف وحثالات المدن) قد محقت الكثير مما هو مشرق وجميل لدى سكان الوطن القديم. هذا الامر الجلل لم يلتفت اليه “الحكماء والعقلاء” داخل الوطن وخارجه بالشكل اللائق والمسؤول، حيث حشدوا الجموع الى اللجوء الى الصناديق وعبوات الحبر البنفسجية وملحقاتها من المفوضيات المستقلة وغير ذلك من عدة النظام الديمقراطي الحديث، ليتحفوا بلدهم الذي تصلبت سيقانه في انتظار الحرية وحلم العيش كباقي الامم الحرة؛ بأسوأ خلطة سياسية واخلاقية ممكنة في العصر الحديث، عندما تلقف فلول الحملة الايمانية داخل الوطن وخارجه لمفاصل لعبة تشكل النظام السياسي الجديد. كل هذا ويأتيك غير القليل من (محللي وستراتيجي) مرحلتنا الانتقالية والغرائبية هذه ليلقي اللوم في ذلك على “شياطين” الخارج في ورطتنا هذه.
اعراض الشيزوفرينيا السياسية والعقلية التي طفحت، هي نتاج طبيعي لعملية التخصيب التي تمت برعاية سدنة ثوابت الأمة، بين آخر ما ابتكرته الامم والمجتمعات التي وصلت لسن التكليف الحضاري (الدولة الحديثة والاقتراعات وفصل السلطات وقيم التعددية والحقوق والحريات) وسكراب عصور ما قبل المغفور له كوبرنيكوس. أما الشيطان من مختلف الأحجام فهو بريء من كل هذه الانتهاكات والجرائم التي ارتكبت بعد انتشال الجرذ القائد من جحره الأخير. لا شيء غير التشرذم نضح عن اناء هذه القوى والكتل والزعامات، وهذا أمر طبيعي لهيمنة فصائل وعقائد رأسمالها التشرذم ودفع عيال الله لنهش بعضهم البعض الآخر، على اساس الفرقة الناجية والفريضة الغائبة. أما التسوية التاريخية القادرة على انتشال مشحوفنا المشترك من براثن قوى الطوفان هذا، فلم تظهر تباشيرها بعد، فلا البعث وفلوله ومرتزقة جرذ الحفرة، كمؤسسات النظام السابق في جنوب افريقيا وزعيمهم ديكريك، ولا حيتان الفتح الديمقراطي المبين وكتلهم كحزب المؤتمر وزعيمه نيلسون ما نديلا الذي لم يرشح نفسه لا لولاية ثانية ولا ثالثة، وانما تفرغ لخدمة الاطفال والشرائح المضطهدة وقضايا السلام والجمال والابداع.
الحقيقة التي يتحاشاها حيتان “التغيير” وملحقاتهم من ملاكات الثقافة والاعلام، تتمحور حول عيوبنا الذاتية وعجزنا عن تقديم بدائل واقعية ومسؤولة وتنازلات تليق بالشجعان لا المذعورين والمعطوبين، ومثل هذا السلوك والتعاطي الجبان مع صخرة الحقائق التي تتناثر عند أطرافها بقايا قرون الفزعات والدقلات؛ هو من يقف خلف ثوابتنا الجليلة في الهروب للامام دائماً وابداً وما عاقبة (ام المعارك) واليافطات والعناوين الضخمة الاخرى، الا برهان قاطع على خارطة طريق الدمار الشامل التي عجزنا عن الانعتاق منها ونحن على ابواب الذكرى 13 لـ “التغيير” الذي “لابين ولابينت” تسويته التاريخية.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة