سيلفيان فون كيلتزار: الألوان المشرقية مدعاة للتأمل والكشف والكتابة العربية تتغذى من الممنوع وتنمو بماء المحضور في تربة الخوف

فتنتها صحراء المغرب فغاصت في سرّيتها المطلقة
الهواري الغزالي
كاتب جزائري في فرنسا
سيلفيان فيون غيتيراز، إحدى الفنانات اللواتي استطعن أن يحرقن أصابع الصباح بوهج مضيء يخرج من رماد الكوانين البرتقالية، وأن يقبضن دون كلل ميزان الطبيعة، ويعدن إلى لحظة إبداعها أراجيح الوجود ونواميس العرفان، لم تقدر وهي تشاكل في مخطوطاتها ألوان البعد والعمق والقدمة إلا أن تضيف مقاليد الخوف إلى مجاهل الولادة، وأن تدفع بنا نحو الأسئلة التي ترعبنا بعد أن نطرحها…كانت رحلاتها موجات تعبر مسافة أعمالها، وسفينة تترحل عبر موانئ الروح، حيث الجسد ليس سوى بحث عن الإنتماء إلى الأمكنة، والرغبة المحمومة في الخلاص…
سؤالها المبتدئ في كل مراحلها الفنية ينبع من رمزية المكان، حيث تعود بأصولها إلى عائلة اسبانية، تتفتق كينونتها من إطلالة المدن الإسبانية على نسيم الصحراء الذي يهب من المغرب عابرا ذلك الفجو الأزرق من
الماء، وذلك المتوسط في رحبة الهدوء من تجانس القارات، زياراتها المتكررة إلى البراري والمدن في إسبانيا لم تلهم نفسها إلا بالإصرار على العودة إلى نقطة اللقاء الأول بين زخرف الصحراء وأواني الشماليات، لهذا لم تجد نفسها إلا مهووسة بنسيم النخيل الساحلي ومعلقة على أستار المخيال المشرقي.
كان الحوار معها استدراجا ممتعا للخيالات نابعا من هذا الإحساس ومن هذا اللقاء، ومن هاته النشأة التي تتمتع بالسقوط في هاويتها الجميلة.

الفنانة سيلفيان، هلا تحدثينا لماذا تميل أصابعك الفرنسية إلى استخدام ريشة مشرقية؟
– لا أعرف، لكنني أعتقد أن المشرق كثقافة إنما ينطوي على محمول رمزي ومتحرك أيضا عبر جميع المراحل الزمنية، ولهذا لا نستطيع تهميش ثقافة ديناميكية تمتد بأبعادها الدلالية ومحتوياتها إلى الأعماق، لقد عشت عطلي الصيفية في إسبانيا وهناك حيث الألوان صافية، بدأ إدراكي الفني بمفهوم الصفاء والضوء، تجلت أغلب الألوان أمامي، فلا شيء يغيب حين تحضر بقوتها تلك الشمس المضيئة، لقد أحسست أن لهذه الألوان محمولاتها وجيناتها أيض، وأنها ليست سوى رمزيات متنقلة من أماكن أخرى عن هذا العالم، لقد بدأت من وقتها أتقاسم معها متعة المكان وصفاء النهارات الصيفية.

هل نستطيع القول وفق هذا الاحساس إن استعمالك للألوان البنية والبرتقالية هي رمزيات العودة نحو المشرق الضائع؟
– بالطبع? فالألوان المرّحلة من المشرق، هي الألوان التي اكتشفتها في المدارس القرآنية، حينما كنت في المغرب، لقد بقيت شهرا ونصف في أغورة الصيف الماضي، مما أتيحت لي الفرصة لزيارة المكتبات القرآنية والتي وجدتها جميلة جدا، إن هناك امتدادا روحيا نابعا من الألوان ذاتها، مثلما ينبع من الأرض، فلو تأملنا قليلا لوجدنا أن الألوان التي نعرفها إنما هي الألوان التي ولدت معنا من الطين، إنها ألوان الأرض، التراب والرمل، والنبل الذي به تنعت الأرض، كذلك به تنعت الألوان، فالنعت واحد والمنعوت متسع بين الجسد والروح، بين التراب واللون، وهو واحد أيضا ولكن باتفاق الاثنين. إن الثقافة المسيحية تحتوي على محمول مختلط من الألوان، أما المشرق فنجد ألوانه بسيطة تدعو إلى الإبداع، ألا ترون أن الألوان المشرقية مدعاة للتأمل والكشف، لهذا رغبت في السنة الماضية تحضير معرض فرنسي بالمغرب، وبالفعل، فقد ساعدني وجودي بالعمل على الثقافة البربرية,، بالإطلاع المباشر على ما يحدث في الثقافة النومادية.

أتذكر في هذا المقام قول أحد الشعراء الفرنسيين بأن أثر الإنسان من رمل، هل تعتقدين ذلك؟ وما تعليقك؟
– لطالما اعتبرت الرمل مرجعيتي الأساسية، ولهذا فإن الصحراء تفتنني، وإحساسي بها يفوق التصور، لقد تعرضت الإنسانية إلى قمع غريب، يرجع هذا إلى تقوقعها داخل الأحادية والجمود، ومحاولة توقيف عقرب
الساعة عن الحركة، فالمدينة أحد أكبر قلاع الانسانية، يمكن أن تنتهي في أية لحظة بينما لا يمكن أن نفكر لحظة واحدة أن الصحراء ستنتهي، متحولة بالطبع، لذا فأصولنا من رمل متدفق على الدوام، عندما تتجول في القرى المغربية حيث الأرض تبدو ذات وجه محمر جد ا، تدرك بكفاية تام ة كيف تتحول القرى المنسية إلى غبار، وفي اندثارها تعود الأرض إلى الأرض، والعودة إليها.

إن ما تقولينه يعيد أنطولوجيا الخلق نحو الواجهة؟
– لا يهمني العمل من خلال العناصر مثلما يهمني أن أشتغل على كل ما هو مرتبط بالأرض، فالخزف المكسورالذي يظهر في بعض اللوحات إنما هي محاولة لتأكيد المحمول الرمزي للأرض، وهو أمر يتعلق بأن ما يمكن إخراجه من الرمل هو ما يمكن خلقه أيضا، إننا نأسطر أعمالنا عبر الرسم, نريد أن نلحقها بأسباب الوجود، فالألوان التي خلقها الله في الطبيعة، لا نستطيع إعادة خلقها إلا بالرسم. ويذكرني هذا الكلام بقصة خلاصتها انني حاولت تخيل أشكال خزفية ثم طلبت من صديق لي أن يصنعها، ثم قمت بعد ذلك بكسرها، ورسمتها مكسرة، فالخلق الذي نعيده، نحن مجبورون عليه، فالأعمال التي أقدمها أجدني فيها مجبورة على أن تكون مقصودة في نورها، إننا نفتش عن الأنوار، يا إلهي، كم هي خطيرة ومزعجة، حين نبدأ من النور راحلين تدريجيا نحو السواد، نبدأ من المعرفة والحكمة انتهاء إلى المجاهل والخوف، أليس ذلك دليل على أن اللون بداية خلق أيضا? أعتقد ذلك.

رمزية التكسير لا سيما إذا تعلق الأمر بالطين, أية دلالة تحتويها؟
إننا لا نخلد، لا نبقى، لا نستمر، إن وجودنا مرتبط بالرحيل، بعدم البقاء، إننا كلما كبرنا كلما ابتعدنا عن الاستقرار، لا شيء اسمه خلود,، لهذا كثيرا ما نجد الهنود الحمر يتركون الأشياء كما هي، تخلد إلى الفناء بمفردها، إنهم يعرفون مآل البقاء، لهذا فالموت فلسفة تنطوي على الاستسلام للطبيعة، اما الحياة فهي مقاومة تستمد طاقتها من حبنا للتغيير.
ما مدى البعد الذي به تحظى لوحاتك بعد استلهاماتك الواضحة ¬¬ والمقصودة حتما ¬¬ من النصوص المقدسة؟
إن ما أقوم به هو استعادة طبيعية للنصوص التي كتبت في الأزل, فأنا أعيد كتابتها, في سياق أننا لا نكتب إلا للأشياء المهمة، إن الكتابة امتياز إلهي وهي مذهلة، فموسى لما تلق ى اللوحات إنما تلقاها مكتوبة من عند الله، والحرف جزء من هذه الممارسة الخطية، فالحرف روحاني وممتلك ميتافيزيقي يفوق حدود الجسد الذي يسجنه، لذا أستعمل الحرف لا كجسد وإنما كمحتوى جمالي لوني لإيماني بأن اللون عصارة خالصة للضوء وأن الألوان لا تستطيع إفرازها إلا مجموعة من الأنوار، هاته التي تجسد ذلك العمق الروحاني للأشياء, وأستعمله داخل لوحاتي حيث ألملم شتاته من النصوص وأصنعه لا لينتهي نحو التفاهة والبذاءة وإنما ليرفع حقيقة الانسان نحو مستواها اللائق ،هذا المخلوق المجموع «واقتسامي الكتابة بجزءيها الجسدي والروحي ينثني على امتداد أرضي ونزوع ترابي، فنحن حين خلقنا، ساهم في كتابتنا بمداد الأرض، لهذا تستعمل الكتابة البشرية منطقها على الطين، المادة التي منها و جدنا.

إن ما تستخدمينه من الألوان في إلغاء الخط كوسيلة إلى إثباته بتجريده كغاية يعني أن للخط علاقة بمطلقه.
– أكيد, وربما أكثر من ذلك!

كيف ؟
– عندما كنت في المغرب, لفت انتباهي ذلك الوشم الذي تزين به النساء معاصمهن وظهور أكفهن، وفي فرنسا كثيرا ما نصادف ونحن نعبر زقاقا سقفا مزينا بالأرابيسك يبدو ناعما ودافئا، فالوشم وتزيين السقوف بالألوان والخطوط المشرقية يوحي بمطلق هذا النوع من الخط ولونه، ثم أحسني في أواخر أعمالي أعود إلى نقطة البدء، إلى الحالة الأنطولوجية الأولى، إلى الأبعاد الجيومترية والبحث من خلالها عن معنى الألوان ورمزيات المادة، فالفن الإسلامي لا يمثل الإنسان او الشخص وحيثيات تفكيره وإنما يعبر عن ثقافة برمتها، فالزليج ليس سوى جيومتري الثقافة العربية، فإذا جر دناه من مكوناته فلن يبق إلا مهندسات ترسباته الجيومترية، هذه هي حقيقة الفن، أن ينتهي إلى مطلقه الرائع بتجريده، وثقافة لا تنتهي إلى هنا، ثقافة هشة وهزيلة; لهذا إذا جردنا الكتابة من معاني الكلمات، فستبقى مجردة، وهذا هو المهم، والأهم أن تستمر على هذا
النحو. إن الكتابة العربية عجيبة وغرائبية، تتغذى من الممنوع وتنمو بماء المحضور في تربة الخوف والاندهاش، فالفنتازيا التي لطالما منعت في ممارسات الخطاب العام ولم تسمح بظهورها الثقافة العربية، وجدت في الكتابة وفي طريقة تعاطي الخط في تزخرفاته مع أشكال مختلفة من الحروف والكلمات، فلدي إحساس أن الخط يحرك الأوصال المقيدة، وينسج في خفاء مذهل علاقات ما بين الخطابات المحظورة، الجنس، الدين، وحتى الثورة.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة