الأخبار العاجلة

استلهام مقامات الخط العربي في جماليات الفن التشكيلي

ناصر عبدين
كاتب من تونس
الجمال وما ينطوي تحت ظلاله من معانٍ، تجيش لها النفس وتختلط فيها جملة من تفاعلات المشاعر والأحاسيس، أملتها نظرات العين بداية عندما تشاهد عملاً فنياً تشكيلياً تفرض في النهاية محصلة تكونها على نفسها قرارها بنبضات عصبية معبرة باللسان قائلاً (إنه عمل جميل) ولأنه جميل ذلك لأن النفس أحكمت استيفاء شروطها ورضاها عن هذا العمل وبالتالي فهي قد أرسلت قرارها مرفقاً معه أركان الجمال إلى خزان الذاكرة لتستودعه عالم المخيلة والذاكرة، وبالجمال وحدة تتطاوع الأعمال الفنية مهما كان محتواها أو انتماؤها أو مادتها، ومن هنا تتفرد الأشياء الجميلة عامة بخصائصها النفسية لتتبوأ مكانها الذي اختارته بنفسها وفرضته على كل من يردها ويشاهدها.
ولولا كلمة الجمال بعمق معناها التي تصاحب بعض الأعمال الفنية التشكيلية لما كان هناك في الحياة أي عمل ذي قيمة أبداً، ونقصد هنا القيمة المعنوية، وهي ذاتها التي تتوافق معها تلقائية الفطرة للنفس، ولا نقصد ترافق المعرفة المكتسبة معها مطلقاً، ولنضرب مثال هذا لتيسير المعنى والفهم أولاً: (الدبابة الحربية المعاصرة والسيف) وكلاهما بالعرف البشري يطلق عليها سلاح، فالأول سلاح حديث والثاني سلاح قديم. ومن حيث شكلهما الفني فقد بذل فيهما أقصى درجات الانتقال في الصناعة في كل شيء لغاية إخراجهما بالشكل الجميل. نعم الدبابة جميلة والسيف جميل، ولكن يبقى الوصف ناقصاً بقربه من النفس، ولا يكتمل إلاّ إذا استيقنت النفس من عمل أي منهما، فيما إذا استخدم كسلاح حربي لإقامة العدل وحماية القيم الإنسانية، أم للقتل والتدمير وهذه هي الخلاصة المرجوة في إطلاقه معنى الجمال.
ففي الفن التشكيلي ذاته وعلى سبيل المثال: لوحة (ذي سكريم) أو (الصرخة) للرسام إدفارد مونك، من النرويج، وهي من مدرسة الانطباعية الحديثة، وتقرأ فنياً من التعبيرية، عمرها الزماني 120 عاماً، ومن انتمائها يحكم المشاهد أو المتلقي بعدم جمال اللوحة، لا في الرسم ولا في اللون، ولكن الاسم أولاً (الصرخة) ومن ثم شكل الرجل الصارخ ومكان وجوده وهو يصرخ، يجعل الموضوع يعتمل داخل النفس، ويتفاعل ويثير التساؤل!! وتتحول عدة تساؤلات إلى قصة، ولابد من أن تصعد مؤثرات القصة من الداخل إلى السطح، وتتلقفها المخيلة والذاكرة وبالتالى لابد من أن ينطق المتلقي بلفظ (جميلة جداً).
وماذا عن جمال الفن التشكيلي في (الحروفيات) والذي يصر أصحابه مناداته بهذه التسمية، ولا سيما إذا ظل متعلقاً بين فضاءين، فضاء الخط العربي، وفضاء اللون والريشة الحائرين، ولا زال كلاً منهما منفصلاً عن الآخر، نعم منفصلاً تمام الانفصال، ولا (جسور) بينهما أبداً، وقد تعرضنا بمقال سابق عن المحاولة الرائدة للفنان التشكيلي ناصر الموسى بتأسيس أول (جسر حقيقي) بين فضاء علم الخط العربي وفضاء الفن التشكيلي، وكذلك نذكر تجربة الخطاط المبدع حسن مسعود في سبعينات القرن الماضي في ذات المحاولة، ولكنها لم تتطور وبقيت في مكانها رغم التركيز الشديد عليها يومذاك.
ونقول ونؤكد هنا أنه لابد من متابعة الدراسة بخطوات واثقة أصيلة عن هذا الموضوع لتأكيد أسسه وتثبيتها بمدرسة حديثة اسمها (الجسرية)ونقلها من المحلية إلى العالمية بكل جدارة، وإطلاقه هذه التسمية هي مبدئياً بمعنى الوقوف الحقيقي ووضع المؤشر عند هذا التحول، وفيما بعد عندما تتابع الدراسات قد يقول قائل إن اسماً كذا أنسب من ذاك، ونضرب على هذا المؤشر بعض الأمثلة للتأكيد والتأصيل.
شيء جميل وممتع وحالة جيشان من التفاؤل، تسري في عروق الفنان التشكيلي عندما يستلهم أعماله من مفردات الواقع، بفسيفسائيته الثقافية وعمقه التراثي فيهيئ حدسه وإحساسه ويختار عنصره المميز، يعالجه بفرشاته وألوانه، فيخرجها بعد معاناة من الخصوصية المهاراتيه والمهنية لعين المتلقي، موضوعاً متكاملاً ناطقاً بجماليته المادية والمعنوية، مطالباً بانضمامه إلى مواكب المجتمعية الحضارية رافضاً عزلته التي كان مغموراً فيها لا لون له ولا طعم ولا جمال ولا قيمة.
من يستلهم مقامات علم الخط العربي، لابد وأن يبلغ به المآل إلى الأخذ بعلم الخط وقواعده شاملاً جمال ورشاقة حروف الهجاء فيه متنقلاً بطبيعة الحال من خصائص الصناعة المرحلية إلى عالم الذهن والخيال الفني.
ولا ينكر أحدنا مدى هيمنة آلة الطباعة الحديثة على حروف الهجاء خاصة والخط اللغوي العربي عامة، وليس ذلك فحسب وإنما على اللون في الفن التشكيلي عامة، عندما بدأت ثورة الطباعة الرقمية (الديجيتال) تجتاح بسرعتها الجنونية عالم الفن في كل أنواعه ومدارسه.
ومن أجل استكشاف هذا الفرق بين ما أحدثته (الرقمية، الديجيتال) وبين ما وقف عنده فن الجمال في الخط العربي، لابد من وضع الأسس التالية نفترضها بداية قواعد للفن التشكيلي الذي يتناول (حروف الهجاء) للغة العربية كعنصر أساسي في تشكيل اللوحة الفنية !! مع يقيننا الثابت أن الطباعة الآلية الحديثة بما فيها الرقمي (الديجيتال) لم تستطع ولن تجرؤ على إحداث تدخل في إنتاج فن تشكيلي جميل أبداً!.
وكلمة الفصل الفارقة في الانسداد الثقافي والإبداع الفني، هو ما قد يحصل للفنان من التباس -وهذا هو الشائع- في اجتزاء حرف الهجاء اللغوي، ونزعه من عشيرته وبيئته ونعني به (المعنى المتكامل للجملة اللغوية التعبيرية، الفعل والفاعل، والمبتدأ والخبر، والجار والمجرور…إلخ)، ووضعه منفرداً معزولاً بأي نوع من أنواع الخطوط، ويكرر بعشوائية أو انتقائية وبألوان (رقمية) جذابة، ثم تطرح بوحشية لعين المتلقي، تطالبها وتجبرها بقسوة ومراوغة للاعتراف بكينونتها الغريبة أنها جميلة!.
نعم لاشك أنها جميلة! هكذا وبخجل متوارٍ تتلفظ بلسانها، ولكن حقيقة الإحساس والشعور الداخلي الكامن في النفس، يأبى أن يتجاوب بهذه السرعة وبهذه المجاملة السطحية، ذلك لأن الفطرة التلقائية لها أصولها الثقافية العميقة، وهي نبع الصدق لايمكن له أن يسلم قراراته إلا لمثله في كل مسلماته!.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة