اسكندرية.. بروكسل.. فلوجة

سلام مكي
كاتب عراقي
اغلب ردود الافعال الافتراضية على تفجير ملعب شعبي في الاسكندرية شمال بابل، اشارت الى اسباب عدم اكتراث الدول العربية ولا حتى بعض المؤسسات الرسمية العراقية لحادثة التفجير، في حين نجدها قبل ايام، استنكرت وادانت تفجيرات بروكسل، وبعض الدول ومنها الامارات، نشرت اعلاماً بلجيكية على مبانيها، في محاولة للتضامن مع الضحايا. وبرغم ان الفاعل واحد، والطريقة واحدة، الا ان لا احد استنكر تفجير الاسكندرية! واستمرت تلك الردود الى المقارنة بين التضامن مع الفلوجة المحتلة من قبل الارهابيين، والتي تعاني من مشكلة كبيرة تتمثل في ان تحريرها يحتاج الى قرار دولي من مركز القيادة في واشنطن اضافة الى دول اقليمية والاتفاق مع الحكومة العراقية والفصائل المسلحة التي تقاتل الى جانب القوات العراقية. فكيف يتم التضامن مع مدينة تعد الحاضنة الاولى للإرهاب، ولا يتحدث عن التفجير بالطريقة نفسها؟ لماذا لا يتضامن المتضامنون مع ضحايا الارهاب مثلما هم مع اهل الفلوجة؟ هذه اغلب ما كتب بعد التفجير، من بوستات ومقالات. لذا علينا السؤال: هل تسهم هذه الافكار تسهم بالحد من هذه العمليات؟ هل هذه الردود التي خلقت جدلا افتراضياً، يمكننا ان نخرج منها بحصيلة افكار وحلول لمشكلة الخروقات الامنية؟ هل لامست اساس المشكلة؟ هل عبرت عن وعي قائليها وقدرتهم على قراءة الحدث بطريقة عقلانية تعبر عن نضج النخبة المثقفة؟ يبدو أن الكم الثقافي والصورة النمطية التي انتجتها العوالم الافتراضية والتي عكست لنا صورة جلية للعالم الواقعي، وكشفت لنا عن خبايا واسرار عارية الا في مخيلتنا، اذ ان كارثة كبرى مثل تفجير وسط جموع من الرياضيين، قام به مراهق، ينتمي الى داعش، يقابل بهذه الطريقة الاقصائية والتي تنم عن عدوانية ورغبة في اشباع رغبة النيل من الآخر، وارغامه على تقبل افكارنا، ووقوفنا على تلال الآخر لننتظر منه الاعتراف بمأساتنا ولبس الحداد على ضحايانا، ومساواتنا مع دول اوروبا التي لم تعرف التفجيرات ولا الارهاب يومًا، في حين نحن نأكل ونشرب مع الارهاب، وجمع اشلاء الجثث وهرولة سيارات الاسعاف اصبحت طقساً شبه يومي لنا. نعم المواطن الاوروبي ليس اهم من العراقي، ودمه ليس اغلى من دم العراقي، لكن: هل علينا ان نترك مشكلاتنا كلها، من دون حلول وننفق دماءنا واعصابنا لأجل ان دولة تأسست قبل عقود فقط، انها صمتت عن ضحايانا؟ هل علينا ان نترك كل شيء لأجل عدم استنكار الشريك السياسي للتفجير؟ اليس الاولى بنا التفكير في اسباب التفجير؟ اليس بنا التفكير بطرق منعه تكراره؟ اليس الاولى بنا المطالبة بمحاسبة المقصرين؟ للأسف، لم نسمع من الاعلام ان القضاء احال المسؤول عن امن المنطقة التي وقع فيها الانفجار للتحقيق، ولم نسمع ان مسؤولا محلياً عوقب بسبب اخفاقه في اداء واجبه تجاه الضحايا. من المعلوم ان مسؤولية حفظ الامن، في أي وحدة ادارية تقع على عاتق المسؤول الاداري الاول لتلك الوحدة، حسب القانون 21 لسنة2008، فهو مسؤول عن ارواح الناس في الرقعة الجغرافية لمدينته، ومن الطبيعي ان أي خرق امني يتسبب بقتل مواطنين، فانه يعاقب ذلك المسؤول ويحال الى القضاء لينال جزاءه العادل. ثم الاجهزة الامنية ايضاً تحاسب على فشلها في منع التفجير، وتحاسب لأنها لم تتخذ الاجراءات المطلوبة لحماية ارواح الناس. ماذا لو تمت سرقة اجهزة في دائرة من دوائر الدولة؟ ماذا لو احترقت خزينة دائرة من الدوائر واحترق مبلغ مالي كبير؟ الا تستنفر هيئة النزاهة والمفتش العام والرقابة المالية والقضاء والشرطة وكل الاجهزة الحكومية امكانياتها للتحقيق والكشف عن اسباب الحريق والقبض على اكبر قدر من الموظفين، والسبب ان المال العام مهم وله حرمة واولوية في الحماية. طيب: اليس الانسان اثمن من أي مال؟ اليس الانسان لا يقدر بثمن؟ اليس الانسان اهم من اموال الدولة والمواطنين؟ فلماذا لا يتحرك احد حين يموت الانسان بسبب خطأ وتقصير من الموظف المكلف بحمايته؟ لماذا لا يطالب احد من الجهات القضائية والتنفيذية ان تطبق القانون بحق المقصرين والفاشلين؟ لماذا يتعمد مجلس المحافظة على اعطاء اللجنة الامنية في المحافظة الى شخص لا علاقة له بالأمن ولا يملك اي خبرة في ادارة الدولة؟ لماذا يتعمد اعضاء المجلس التصريح عقب كل تفجير ان التفجير هو محاولة يائسة لشق الصف الوطني وانه يعبر عن افلاس الارهابيين؟ وان هذا الانفجار وأي انفجار سيحدث في المستقبل لن يثنيهم عن خدمة ابناء محافظتهم؟ وقبل ان يفكر الآخرون بهذه الافكار: هل سيفكر اهل الضحايا في انتخاب اشخاص يمكنهم حماية ما تبقى من ابنائهم؟ هل سيفكرون في معاقبة الذين تسببوا بموت ابنائهم عبر عدم انتخابهم مجدداً؟

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة