الأديب الحق لا يمكن أن يعيش في وسط إنساني معذب

«المعلم».. من الصحافة والرواية الى النقد الروائي المغربي عبدالكريم غلاب:
علي بن سالم
كاتب مغربي
لم يكن من قبيل الصدفة أن تقرر منظمة الثقافة والتربية والعلوم العربية بمناسبة اعتبار الرباط عاصمة للثقافة العربية، أن توزع ثلاثين ألف نسخة من عمل روائي مغربي رائد هو (المعلم علي) للروائي عبدالكريم غلاب. إنها سابقة في تاريخ الرواية المغربية المكتوبة بالعربية، وفي تاريخ الأدب المغربي عموماً الذي عانى الأمرين من التهميش ومن موضعته في الظل وعلى المحيط الثقافي والإبداعي العربي.
ومن نافلة القول التأكيد على مكانة الأستاذ غلاب في الساحة الأدبية والفكرية والثقافية المغربية والعربية بصفة عامة. فالرجل قد ألقى بظلاله على مسيرة الكتابة الأدبية والصحافية بالمغرب لزمن طويل، مواظباً على الكتابة والإبداع، مثابراً على الحضور في مقدمة المشهد السياسي والفكري والإبداعي، معتبراً هذه المجالات كلها مسرحاً للنضال والمقاومة.
ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا بأن «عبدالكريم غلاب» هو كاتب صاحب تجربة روائية فريدة من نوعها، فمنذ رجوعه من مصر في بداية الستينات أخذ يقتحم عالم السرديات، بنشره أول مجموعة قصصية (مات قرير العين 1965م)، ورواية (دفنا الماضي 1966م). وفي بداية السبعينات أصدر رواية (المعلم علي 1971م)، ومجموعة قصصية (وأخرجها من الجنة 1977م). وفي الثمانينات نشر سيرة ذاتية روائية (سبعة أبواب 1984م)، ثم روايتين (صباح ويزحف الليل 1984م)، و(وعاد الزورق إلى النبع 1989م). ليتوج هذا المسار الإبداعي برواية (شروخ في المرايا 1994م)، وسيرتين ذاتيتين روائيتين (سفر التكوين 1996م)، و(الشيخوخة الظالمة 1998م)، ومجموعة قصصية (هذا الوجه أعرفه 1997م). والواقع أن فن السرد لم يكن كل شيء في حياة عبدالكريم غلاب الإبداعية، فقد عمل في مجالات ثقافية اخرى حيث انجز أبحاث في ميادين التاريخ واللغة والفكر بصفة عامة، منها: (نبضات فكر)، و(من اللغة إلى الفكر)، و(الثقافة في مواجهة التحدي)، و(الفكر العربي بين الاستيلاب وتأكيد الذات).. كما عمل في مجال الصحافة واخيرا النقد الادبي.
يقول في أحد حواراته: «كنت أتمنى للنقد بالمغرب أن يكون أحسن مما كان، وألا يتسلح بالتوجه السياسي وهو في طبيعته متغير وعابر. إن تقويم العمل الأدبي انطلاقاً من حكم مسبق، ودون قراءته؛ سلوك لا ينتمي إلى الثقافة ولا إلى الفكر أو الأدب.». ويؤكد وجهة نظره حول الأدب قائلاً: «كان الإبداع منذ اليوم الأول بالنسبة لي وبالنسبة لجيلي هادفاً».
ويقول غلاب في معرض حديثه عن ماهية الكتابة: «الأديب الحق لا يمكن أن يعيش في وسط إنساني معذب، ويكون بعيداً في الوقت نفسه عن هذا الوسط، غير شاعر بعذابه، ولا محس بجراحه؛ ثم لا ينعكس هذا الإحساس على ضميره الأدبي، فينفعل ويعبر ويصور، ويتحرك القلم حركة نضال، ليكون في مقدمة المناضلين ضد عذاب الإنسان وجراحه».
في كتابه (مع الأدب والأدباء) يذهب غلاب في رحلة فكرية وقراءة نقدية للكثير من المواضيع التي شغلت وما زالت تشغل الرأي العام. وقد قسمه إلى قسمين: قسم نظري تتراوح مقالاته بين البحث في ماهية الأدب ووظيفته من قبيل «الشعر الحديث بالمغرب» و»تطوير الأدب القصصي في المغرب العربي» و حركة النقد في المغرب» و»بين الإقليمية والإنسانية» و»الالتزام الحقيقي للأديب»..إلخ. وقسم تطبيقي بعنوان «في صحبة الشعراء والكتاب». وفي هذا القسم الأخير توسع توسعاً ملحوظاً، وكأني به كان يتحين الفرصة ليبسط آراءه النقدية ويفرغ ما بجعبته من نظرات، متناولاً بالنقد التطبيقي بعض الإبداعات الأدبية التي كانت قد ظهرت عندئذ. وقد اختار الأستاذ غلاب في قراءته لنماذج من إبداعات هؤلاء الكتاب والشعراء نموذجاً من كل بلد؛ بغية الاقتراب من الأفكار الأدبية والنقدية التي أعرب عنها في فصول القسم الأول. وهكذا نجد عناوين مثل «قراءة جديدة في شعر ابن ثابت»، «رجعة نزار قباني « و»الجواهري من الذاتية إلى الوطنية» «مع السياب»
ومن قراءته للقصائد الشعرية يتبين أن منهج غلاب النقدي هو المنهج التأثري الذاتي، فهو يقول: «الشعر هو الذي تجد نفسك في حاجة إلى أن تقرأه كلما بعدت عنه»، وعلى نحو ما نحس في قراءته لقصيدة أغنية الأحزان لأبي القاسم الشابي والتي تضمنت عدداً من النغمات الرائعة الصفاء النابضة بحرارة الحياة:
غنِّ أنشودة الفجر الضحوك
أيها الصداح
فلقد جرعني صوت الظلام
ألماً علمني كره الحياة
إن قلبي مل أصداء النواح
غنِّ يا صداح
ولا يقف منهج غلاب النقدي عند حدود الذوق والانطباع، بل نجده يلجأ في تفسيره للقدرة الشعرية عند الشاعر إلى طريقة توظيفه للصورة الشعرية وللبنية الإيقاعية باعتبارهما أهم مقومات الإبداع الشعري.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة