في انتظار التكنوقراط!

لا تختلف حالتنا الراهنة عما عاشته ذات غروب مدينة روما من انحطاط ويأس بفعل التفسخ الداخلي الذي عصف بها، وجعل سكانها يعتصمون بأمل اكتساح البرابرة لمدينتهم كنوع من الحل للمأزق الوجودي الذي انحدروا اليه. فجأة ظهر الى الوجود مصطلح (التكنوقراط) بوصفه اكسيراً لحل مصائبنا الوطنية العضال، وما ان قفز الى مسرح الاحداث، حتى صار محبوب الجميع وحبلاً اعتصم به فرسان الفتح الديمقراطي المبين بعد ان عصفت الأقدار بمغارة علي بابا من واردات النفط والغاز. من دون لف ودوران لا يمكن النظر لمثل هذه المشاريع (فانوس التكنوقراط) وغيرها من الدقلات السحرية، الا كشكل مبتكر من الهرب الى الامام، والتفاف على التحديات الواقعية والقيمية والبنيوية التي تواجه شعوب وقبائل وملل هذه المستوطنة بعد عقود من الاستبداد والمسخ والتجهيل. فعن أي تكنوقراط عراقي يجري الحديث؟ عن افراد مدججين بالشهادات الاكاديمية؟ ام موظفين مخضرمين في مؤسسات “الدولة العراقية” ؟ أم غير ذلك من شخصيات لا تعبر الا عن حالات فردية عابرة في مسيرة تشكل وانحطاط مشروع الدولة الحديثة في العراق؟
ان هؤلاء “التكنوقراط” الذين فرحوا بترشيحهم للكابينة الحكومية المقبلة، قد برهنوا على عدم امتلاكهم لأهم خصيصة تميز شريحة التكنوقراط؛ الا وهي المسؤولية ووعي ثقافة فريق العمل المتكامل والقادر على النهوض بالمهمات الجسام الموكولة لهم. فعلى اية ملاكات سيستندون وأي وعي بطبيعة الدولة الحديثة وتشريعاتها المناصرة للحريات والحداثة والتعددية وبقية متطلبات العيش كبقية الامم التي اوجدت التكنوقراط كتتويج لشوط متناغم من التحولات على شتى الصعد المادية والقيمية؛ سيستند تكنوقراطنا “المستقل” هذا والمتلهف لتلقف الامانة التاريخية من تكنوقراطنا المتحزب؟ لن يمر وقت طويل حتى يدرك “تكنوقراطنا المستقل” نوع الطور الجديد من التراجيديا العراقية، الذي ولجنا اليه بهمة مغامرتهم الاخيرة هذه. على المنتسبين حقاً لنادي المتخصصين (التكنوقراط) وعي المشهد الغرائبي الحالي والاسباب والقوى والمصالح الشرهة والمتخلفة التي تقف خلف كل هذا الهذيان والهلوسة الراهنة، عليهم ان يشخصوا شبكة مانعات الصواعق، والتي تحجب الوعي الحقيقي عن سكان هذا الوطن المنكوب، بعد كل هذا الضيم والخيبات التي هطلت على تضاريسه من الفاو لزاخو، قبل ان يتنطعوا لمثل هذه المسؤوليات التي تنوء تحت ظلها أعظم المعاهد ومراكز البحوث المتخصصة بعلوم تطور واندثار الامم. ومن خلال تجربتي الشخصية ومعرفتي بغير القليل من هذه الشريحة وخاصة المتشبثين منهم بعباءة اليسار والمجتمع المدني، اعرف جيداً انهم لن يلتفتوا لمثل هذه الآراء التي لا تجيد التمايل والترنح على الايقاعات الرائجة، كما كانوا طوال مسيرتهم المهنية والسياسية والاكاديمية، فنرجسيتهم التي استقبلت في الاسابيع الاخيرة ما لم تتوقعه مخيلاتهم من الاطراء والتبجيل، ستعد مثل هذه الآراء تعبيراً عن الحسد الذي يحاول النيل من مؤهلاتهم الاسطورية. مع مثل هذه الفزعات الفجائية، وهذا الكم الهائل من المساحيق الحداثوية، لا يمكن لا التصدي للتحديات الفعلية التي تواجهنا وحسب بل ستلقي على عاتقنا والاجيال المقبلة المزيد من الفواتير لكثبان المستحقات التي تزداد تورماً مع جفاف ضرعنا الريعي..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة