الأخبار العاجلة

في ملحمة روستافيللي (الفارس في إهاب النمر)

الوجه المشرق للعربي في الأدب العالمي
ترجمة: غسان السيد
عن مجلة الدوحة
كيف يرى الآخر صورة العربي؟، قريباً أو بعيداً، نستجلي صورة العربي في أبرز وأجمل ملحمة عرفتها البشرية، وهي (الفارس في إهاب النمر) للشاعر الجورجي شوتا روستافيللي، من خلالها نتعرف عن كثب على صورة العربي المسلم الحقيقية، لندرأ بإيجابياتها الصورة السلبية التي وُسِم بها العربي المعاصر، وندرك من خلال ملابساتها الفنية والتخييلية ما عجزت عنه الأنا العربية الراهنة وهي تتلمس طريقها عبثاً لتصحيح الصورة في التمثل العالمي عامة، وفي الغربي خاصة.

الإنسان العربي المعاصر
والصورة المهزوزة
لقد صار العربي الآن أيقونة مغلفة بصورة مغبونة، ساهم هو بنفسه، إلى درجة فادحة، في ترسيخها في أي ناظر له، حتى باتت صورة نمطية كلمة وعلاقة وسيناريو، فالحضور العربي الراهن الباهت دفع بالآخر الغربي خصوصاً إلى أن يرسم صورة ذهنية مهزوزة الأركان، يشكلها حسب زاوية نظره القوية، وحسب الأرشيف المرجعي الذي يتبناه، أرشيف مثقل بالصراعات الدينية والسياسية والأدبية والفكرية…إما خوفاً من عودة العرب إلى مجدهم الغابر، ومن ثم رجوع الزعامة العربية الإسلامية، أو حقداً وحسداً دفينين كما عهدناهما في الغرب، وهو يقصي كل آخر ساهم في صنع هذه الحضارة الإنسانية. والمعادلة تبدو ضاربة في الخطأ وهي تقارب مثل هذه الصورة الذهنية التي يشترك فيها وعي جماعي، فالأحرى، كما يقول الفرنسي دانييل باجو: (يجب على دراسة الصورة ألا تهتم كثيراً بدرجة واقعية الصورة، وبعلاقتها بالواقع؛ وأن تهتم أكثر بمطابقتها الواضحة، قليلاً أو كثيراً لنموذج، أو خطة ثقافية موجودة قبلها في الثقافة الناظرة، وليست في الثقافة المنظورة). معنى هذا أنه لا ينبغي تناول الصورة في حد ذاتها سواء في إيجابياتها أو سلبياتها، بل التركيز على الثقافة المنتجة للصورة من زاوية منتج الصورة وخطته الثقافية، أي الاهتمام بالناظر وليس المنظور، فالناظر المتمركز في موقع القوة، كل القوى التي تجعل منه نموذجاً متقدماً، لن يكون متساهلاً وعادلاً بحكم الطبيعة البشرية القائمة على العصبية والاستعباد والصراع الأبدي نحو التفوق والزعامة والهيمنة حباً في البقاء والاستمرار، لذلك نجد صورة الإسلام، التي تشكل فوبيا لليهود والصليبيين قد أصبحت مشوهة ونمطية، ودأبت المؤسسة الغربية على تأجيج نارها بإيعاز من اللوبي الصهيوني الذي كرس موجة الكراهية للعربي، وهو المتحكم في جميع القطاعات والميادين، بغية تشويه العربي المسلم، بل إخراجه من دائرة الإنسانية إلى درك الحيوانية، فاستفحلت الصورة المفتعلة إعلامياً وسياسياً، تضليلاً للرأي العام الدولي بعد 11 سبتمبر، ليصبح بعدها العربي إرهابياً وقاتلاً بامتياز.
وأمام هذا الإشكال الحرج الذي جعل المرآة في يد الغرب أكثر احدوداباً، تعكس صورة العرب والإسلام بشتى الأيقونات المشوهة (البربري، الإرهابي، المتخلف، الوسخ، الشهواني، الثرثار، المتسلط، الرجعي…)، والتي جعلته مدعاة ومشاعاً للسخرية والكراهية، لا بد إذن من تصحيح لغة هذه الصورة، ذهنية كانت أم أدبية.

ملحمة الفارس في إهاب النمر، وأصالة الصورة
لقد أهدى روستافيللي ملحمته (الفارس في إهاب النمر) للملكة تمار بعدما استقى قصتها من حكاية فارسية شفهية كصورة تعبر عن صدق التواصل والتسامح بين الشعوب، لملم تفاصيلها وهذبها ونظمها في قالب فني وجمالي تعبيراً منه عن أصالة متخيلة في مقابل أصالة المسلم، وقد أكد ذلك بكل عفوية في مستهلها: (هذه حكاية فارسية أرويها باللغة الجورجية/ مثل الدرة اليتيمة تتوارثها الأجيال من يد إلى يد/ وجدتها، ونظمتها شعراً)، حيث شكلها في 1587 رباعية، يعرف فيها الشعر، ويقسمه إلى مراتب، ويصف الحب، ويعدد أهدافه وشروطه، وبهذا فقد أعاد للعرب مجدهم حين تناولهم بالوصف في الرباعية الثامنة، لكن المقارنين الجورجيين نفوا عن الملحمة أصالتها الفارسية، بل عزوها خالصة للثقافة الجورجية، بيد أن الأمر أبعد من ذلك بكثير، فهي قد تعجمت بأسماء فارسية وعربية وهندية، والزمن شرقي بامتياز إلى حدود القرن 12، فروستافيللي نفسه يقول (كان في بلاد العرب ملك يدعى روستفان)، مما يؤشر على تفاعلها بأمم أخرى تحت القبة الإسلامية، هذا إذا استثنينا أن جورجيا ستتوجه متأخرة نحو الغرب عبر الاتحاد السوفياتي.

تحليل الصورة
تشكل هذه الملحمة عملاً أدبياً أصيلاً يعبر عن روح القومية الجورجية، وعن المثل الإنسانية، إذ يقدم للعروسين في حفل زفافهما، ولزائر جورجيا، وهي تحكي عن قصة حب عذري في تناص مع أصله العربي، بطلها الأمير الهندي تارييل الذي كاد يفقد عقله بعد فراق حبيبته الأميرة نستان داريجان، لولا أن ساعده الأمير العربي أفتانديل الذي أنشدها له، فكان بذلك اللقاء والثبات والنبات بعد الفقدان والجنون، إنها قصة حب تتماهى وتتشابه مع قصص الحب العذري العربي لقيس ليلى وكثير عزة.. إنها صورة لامعة تعبر عن الروح الشرقية بعيداً عن المركزية الغربية، ولم يكن من العبث أن يوظف روستافيللي هذا التناص لولا تشبعه المستقر في لاوعيه الجورجي، حتى نكاد نقول بالتشابه أو المطابقة، ولكن كما يقول دانييل باجو: (ليس من الممكن الحديث عن الآخر، أو كتابة أي شيء عنه، في لحظة تاريخية معينة، وفي ثقافة ما. إن نصوص الصورة هي نصوص مبرمجة جزئياً وبعضها مرمز وقابل للتفسير مباشرة إلى حد ما من قبل الجمهور القارئ، ليست صورة بالمعنى التشابهي، إنها تشبهه قليلاً أو كثيراً، ولكن بالمعنى المرجعي، الصورة مناسبة بالرجوع إلى فكرة، وخطة، ومنظومة من القيم السابقة على العرض).

تصحيح صورة العربي
في التمثل الراهن
إن من بين مهام الباحث المقارن هو البحث الجذري عن حقيقة أية صورة في إيجابياتها أو سلبياتها، ويبدو الأمر منصفاً إلى حد ما ونحن قد أدركنا، بنوع من الفرحة والحسرة معاً؛ جانباً تراثياً مشرقاً لصورة العربي، وذلك بهدف إعادة الوقوف من خلاله عن البياضات والفراغات التي فوتها على نفسه العربي المعاصر، عله يعيد تصحيح وتقويم ما تصدع ولو بعد حين، بيد إن هناك أخلالاً لا زالت تعيق هذه المسيرة، فإذا تفحصنا ملياً، وجدنا من بين تلك العوائق أن البنية الذهنية الراهنة هي سبب هذا التخلف، إضافة إلى طبيعة الحاكم الذي لم يتمثل جيداً النموذج التراثي، إذ نجده لم يحرك ساكناً، فعلى مدى 92 سنة خلت (1907/1995) لم يحدث أي تغيير، نفس المصائب تتكرر، نفس الاستبداد يترسخ، جمود عام على حد تعبير المفكر المغربي عبدالله العروي في مؤلفه (خواطر الصباح).
وإذا ما عدنا إلى الملحمة، أمكننا التساؤل، ما الذي جعل هذه الثقافة الجورجية تتخذ من النموذج العربي آنذاك ديدناً لها؟ وما الذي جعل صورة العربي تغدو مثالية إلى هذا الحد؟
إن الملحمة، بهذا التمثل، تتغنى بالصداقة والحب والفروسية والعدل، صفات يفتقدها الإنسان العربي الحالي، كما أنها تنفتح أيضاً على خيال اجتماعي مشترك يصهر كل القيم المثالية في بوتقة إنسانية شاملة، من خلال تفاعل وتواصل أمم وشعوب ذات جغرافيات عرقية وفكرية متنوعة، عربية، فارسية، هندية، وإغريقية، إنها فوق كل هذا تدعو إلى إنشاء حوار إنساني وحضاري شامل يبدد كل نمطية تجمد الصورة، وتجعلها كشكل أحادي الدلالة، نموذج مجتر يعيد بصورة آلية إلى التفسير الوحيد الممكن، بل تجعل الزمن متوقفاً، فهذه النمطية تقدم نوعاً أدنى من المعلومات من أجل التواصل الأكمل والبناء، إنها موجز وملخص يسري بين الناظر والمنظور على تعبير دانييل باجو.
من جهة ثانية، فالملحمة دستور جديد للعلاقات الإنسانية الأكثر تسامحاً، وبخاصة بين الرجل والمرأة، إنها قانون مثالي للحب، من بنوده الإخلاص في الحب للمرأة الواحدة، والمبادرة السباقة للمرأة التي تبوح بحبها لحبيبها..
إن روستافيللي، بصنيعه الفني هذا، قد رسم أسمى الصور لمدونة جمالية وفنية وثقافية واجتماعية وسياسية، تتوخى تقديم صورة سوية للإنسان العالمي، سالفاً أو آنفاً، ولعل العربي الآن أقرب إلى عدستها ليتمثل تراثه أولاً، ويصحح صورته ثانياً، قبل أن تتكسر مرآته كلية.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة