إحياء اتفاق مينسك

كارل بيلدت
وزير خارجية السويد السابق.
ربما ينطوي مستقبل إقليم دونباس في شرق أوكرانيا على احتمالين. وقد نشهد أحدهما ضمن إطار عملية مينسك للسلام، والتي تتألف من سلسلة من الاتفاقات المجمعة معاً لنزع فتيل المواجهة بين روسيا وأوكرانيا. أو ربما تتحول المنطقة إلى موقع لصراع مجمد من ذلك النوع الذي قد نجده في جمهوريات ما بعد الاتحاد السوفييتي، حيث تؤكد المناوشات الدائرة على مستوى منخفض على الخطر الدائم المتمثل في احتمال إراقة الدماء على نطاق أوسع وأشد خطورة.
في اللحظة الحالية، وصلت العملية إلى طريق مسدود. ومن المرجح أن تتصاعد وتيرة توجيه أصابع الاتهام من قِبَل الجانبين، في حين يناقش الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ما إذا كان من الواجب إطالة أمد العقوبات المفروضة على روسيا. وسوف يتطلب دفع العملية إلى الأمام سلوك نهج أشد حزماً من قِبَل الغرب.
الواقع أن البت بشأن رفع العقوبات أو الاستمرار في فرضها ليس بالقرار الصعب. ذلك أن شروط رفعها كانت تتمثل دوماً في «التنفيذ الكامل» لاتفاق مينسك. وليس هناك من الدلائل ما قد يشير إلى احتمال إنجاز هذا الأمر بحلول الصيف، عندما يحين موعد انتهاء العمل بالجولة الحالية من العقوبات.
ولابد أن يكون من الواضح أيضاً أن تخفيف العقوبات من شأنه أن يحرم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من نفوذهما على الكرملين ــ والبقية المتبقية من مصداقيتهما في كييف. ويكاد يكون من المؤكد أن اتخاذ مثل هذا القرار يعني استئناف الصراع، وتعاقب مراحل متناوبة من المواجهة بين ساخنة وباردة.
ويتمثل العائق الأكبر الذي يحول دون تنفيذ اتفاق مينسك في التزام أوكرانيا بتبني نظام حكم فيدرالي. وقد دأب الكرملين على اتهام أوكرانيا بالتحرك ببطء في التعامل مع هذه القضية، إن لم يكن تعمد تعطيلها.
ولكن برغم أن الإصلاح الدستوري، بما في ذلك إلغاء المركزية، منصوص عليه في اتفاق مينسك، فإن النص يتسم بالغموض الشديد حول ما قد يترتب على هذا. وروسيا ذاتها تُعَد مثالاً صارخاً للّغة الدستورية التي لا تترجم دوماً إلى واقع ملموس. فعلى الورق، تعد روسيا اتحاداً فيدراليا، ولكن الرئيس الروسي فلاديمير بوتن كان حريصاً على تركيز السلطة في يديه.
والسؤال الرئيسي الآن هو من ينبغي له أن يمثل المناطق الخاضعة للاحتلال الروسي بحكم الأمر الواقع مع تحرك العملية الدستورية إلى الأمام. وليس من المستغرب أن يكون الكرملين راغباً في تمثيل هذه المناطق من قِبَل قادة الانفصاليين، الذين نُصِّبوا بمباركة الكرملين والذين يعتمدون على دعمه للبقاء في السلطة. ولكن حكومة أوكرانيا تعارض هذا بالقدر نفسه من الوضوح، وتعد الانتخابات الحرة والنزيهة في هذه المناطق شرطاً مسبقاً لمناقشة التعديلات الدستورية ــ وهو الموقف الذي ينسجم تماماً مع اتفاق مينسك.
والآن تدور رُحى معركة دبلوماسية شرسة حول من ينبغي له أن يدير الانتخابات المحلية، وتحت أي ظروف ينبغي أن تُدار. ولا يريد قادة الانفصاليين أن تشارك الأحزاب السياسية من بقية أوكرانيا في الانتخابات. كما لا يرغبون في تمكين نحو 1.5 مليون أوكراني نزحوا بفِعل القتال إلى مناطق أخرى في البلاد من الإدلاء بأصواتهم. بيد أن هذه الشروط لابد أن تكون غير مقبولة من منظور حكومة أوكرانيا، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة.
إذا كان لعملية مينسك أن تتحرك إلى الأمام، فيبدو أنه لا يوجد مفر من تكليف منظمة دولية من نوع ما بإدارة الانتخابات، كما حدث في حالات مماثلة في أماكن أخرى. ولكن تدبير مثل هذا الأمر سوف يستغرق بعض الوقت. ومرة أخرى، من غير المرجح أن يحدث هذا قبل الصيف.
إذا كانت روسيا ملتزمة حقاً بحل هذا الجزء من الصراع مع أوكرانيا (يظل ضمها غير الشرعي لشبه جزيرة القرم غير مطروح لأي مناقشة على الإطلاق)، فلا ينبغي لها أن تجد أي صعوبة في الموافقة على انتخابات تُدار دوليا. لا شك أن أولئك الذين يديرون إقطاعياتهم في شرق أوكرانيا يعارضون مثل هذا الترتيب، ولكن الكرملين بقيادة بوتن ليس حديث عهد بالتعامل مع أولئك الذين يختلفون معه. وتتعلق مسألة أخرى مهمة بالأمن. فروسيا متورطة في إمداد وحراسة أجزاء أساسية من فيلقين تابعين للجيش يحتلان إقليم دونباس، والحكومة الأوكرانية لديها كل الحق في الإصرار على استعادة سيطرتها على الحدود كشرط مسبق للتعديلات الدستورية.
لا ينبغي للغرب أن يستخف بالقدر الذي يستطيع فرضه من نفوذ. فقد ارتدى الكرملين قناع الشجاعة في ما يتصل بمتى يمكن رفع العقوبات. والواقع أنه منشغل بفرض عقوبات من جانبه. ولكن ليس هناك شك في أن أضراراً جسيمة تلحق بالاقتصاد الروسي. وعلاوة على ذلك فإن ناتج حقول النفط الروسية القائمة من المتوقع أن يتراجع بنسبة قد تصل إلى النصف في غضون العقد المقبل؛ ومع تراجع الناتج سوف تتعاظم أهمية الوصول إلى التكنولوجيات اللازمة لاستغلال الاحتياطيات التي تتزايد صعوبة استخراجها. وما دامت العقوبات سارية فسوف تظل مثل هذه التكنولوجيات بعيدة المنال.
من المؤكد أن بعض الروس قد يدعون إلى صراع طويل الأمد منخفض المستوى، وربما تتخلله دَفَقات عَرَضية من الهجمات العسكرية، على أمل أن تتفكك أوكرانيا في نهاية المطاف. وهي قراءة خاطئة شديدة الخطورة للموقف، وربما تلحق بروسيا ضرراً شديدا، ولفترة طويلة مقبلة. فبرغم كل المشكلات التي تواجهها، تبرز أوكرانيا كدولة أكثر تماسكاً وقابلية للحياة.
ولا ينبغي للغرب أن يسمح بانهيار نظام العقوبات وانزلاق عملية مينسك إلى عالَم الإهمال. وإذا حدث هذا فسوف تكون النتيجة النهائية صراعاً على مستوى منخفض ربما يتحول بنحو فجائي إلى صراع أشد خطورة. ولن يحقق هذا مصالح أي طرف من الأطراف.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة