الأخبار العاجلة

السيناريوهات المستقبلية للتحوّل السياسي في العراق

السيناريوهات المستقبلية للتحوّل السياسي في العراق
ترجمة: سناء البديري*
الكاتب « يوليان بوستن « اشار في احدى كتاباته التي نشرت على صحيفة « ديلي تليغراف البريطانية « الى ان « الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط لم تكن هدف الولايات المتحدة الأميركية خلال الحرب الباردة، إلا أن منهج التفكير السياسي الأميركي تغير بعد تولي بوش الابن رئاسة الولايات المتحدة، وربما هذا التغيير الاستراتيجي يعود إلى ما بعد الحرب الباردة والتحول الذي حصل في منهج التفكير الأميركي من خلال التوجه الجديد للعقل السياسي الأمريكي .»
واضاف أن « استمرار تلك الأزمات وانخراط العراق في منعطف خطير بعد اجتياح تنظيم «داعش» لبعض المحافظات العراقية في أواخر العام 2014، وانخفاض أسعار النفط العالمية الذي أدخل الدولة العراقية في عجز مالي واقتصادي «أزمة اقتصادية حقيقية»، فضلاً عن الأزمات السياسية والأمنية والاجتماعية، وانعدام الخدامات، وتسييس المؤسسات، وانتشار الفساد السياسي والاقتصادي، وضعف المؤسسة العسكرية، وأزمة ما أدى إلى فقدان الثقة بالعملية السياسية واتساع الفجوة بين السلطة والشعب.»
واشار بوستين ايضاً الى أن « الورقة الطائفية ولغة المكونات التي لعبت عليها القوى السياسية العراقية بعد العام 2003، قد مكّنت تلك القوى من الاستمرار في المشهد السياسي العراقي لحد الآن. فالتوظيف السياسي للطائفة أسقط كل المشاريع الوطنية الداخلية، وبموازاة ذلك، شجع كل المشاريع الإقليمية الراعية لهذه الطائفة أو تلك والهادفة إلى تفكيك وإضعاف الدولة العراقية سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. ولهذا نرى الدولة العراقية تقبع في أزمات سياسية وأمنية واقتصادية منذ العام 2003.»
في المقابل، يرى بوستين ان « هناك تطوراً سياسياً وعسكرياً للدول الإقليمية التي عملت طيلة هذه السنوات على إفشال العملية السياسية وإضعاف الدولة العراقية. فعلى سبيل المثال، أصبحت المملكة العربية السعودية اليوم تقود المحور العربي والإقليمي «المحور السني»، وهي في تطور سياسي وعسكري مستمر، وأخذت تتحدث عن تدخلات برية سواء في سوريا أم في العراق، فضلاً عن تواجدها في اليمن. أما الجمهورية الإيرانية التي أصبحت قوة إقليمية «سياسياً واقتصادياً وعسكرياً»، تصالحت مع العدو الأكبر «أميركا» والغرب بدبلوماسية كبيرة من خلال برنامجها النووي، وأخذت تدير مصالحها الإقليمية في بعض دول المنطقة على وفق ما يتلاءم مع أهدافها السياسية على وفق مبدأ التبعية السياسية، بعيداً عن مصلحة تلك الدول وبنهج سياسي براغماتي. ووفقاً لهذا التطور الإقليمي، نرى أن العراق قد أنهك وأضعف، كنتيجة عكسية للتطورات الإقليمية.»
واضاف بوستين الى انه « وعلى الرغم من خروج الشعب إلى التظاهرات في الصيف الماضي، وانطلاق الشرارة الأولى للحراك الشعبي المطالب بعملية الإصلاح السياسي والاقتصادي، إلا أن اختلاف القوى السياسية وتعارضها وعدم اتفاقها على طريق واضح ومشترك في إصلاح الواقع السياسي والاقتصادي للدولة قد يتسبب بسيناريوهات عديدة، وقد تكون الآثار المترتبة على بعض السيناريوهات خطيرة للغاية، ولربما تحافظ هذه السيناريوهات على شكل العملية السياسية التي رعتها الولايات المتحدة الأميركية بعد العام 2003، كقاسم مشترك، إلا أنها قد ترسم ملامح سياسية أخرى لشكل الدولة العراقية.»
وأكد بوستين أنه « سيناريو استمرار الوضع الحالي قد يكون حاضراً في الوسط السياسي وهذا يعني بقاء الوضع على ما هو عليه وضرب الأصوات المطالبة بالإصلاح الشامل، والاقتصار على إصلاحات شكلية وحلول ترقيعية، والإبقاء على سلطة المنظومة الحزبية نفسها، والمحافظة على الموروث السياسي الذي زرعه الحاكم المدني «بول بريمر» المتمثل بالمحاصصة الطائفية والحزبية والقومية، الذي شل الدولة العراقية برمتها.»
واشار بوستين الى ان سيناريو الإصلاح ينقسم على شكلين وفقاً لعملية الإصلاح، منها إصلاح شكلي مع بقاء القوى السياسية الحالية (وهذا ما تريده أغلب القوى السياسية)، ويمكن أن نطلق عليه «سيناريو إصلاح القوى السياسية نفسها»، وهذا سيصطدم بإرادة الشعب والمرجعية الدينية العليا في العراق , وربما يكون التيار الصدري بزعيمه وقاعدته الجماهيرية الواسعة هو من يقود هذه الإرادة الجماهيرية ضد عملية الإصلاح هذه، الذي طالب بإصلاح حقيقي من خارج المنظمة الحزبية (حكومة تكنوقراط بعيدة عن الأحزاب السياسية). وعليه، أصر الزعيم الصدر على التظاهرات الشعبية وتهديده باقتحام المنطقة الخضراء بعد انتهاء المهلة المعطاة للحكومة، وهذا ربما يقود إلى سيناريوهات أخطر، وقد يكون أحد نتائجها انهيار الدولة والعملية السياسية، وعليه لابد لصانع القرار العراقي إدراك مايحصل قبل فوات الأوان.»
واوضح بوستين أن « سيناريو التقسيم هو السيناريو الذي قد يكون مطروحاً بقوة في هذه المدة، وربما سيكون نتيجة طبيعية لفشل عملية الإصلاح وعدم الاتفاق السياسي بين الفرقاء السياسيين، وذلك بسبب التقاطعات الطائفية والحزبية والقومية بين القوى السياسية؛ فالكتل الكردستانية متمسكة باستحقاقها الحكومي ووفقاً لنسبها في البرلمان، والتي تشترط نسبة تمثيل حكومي يوازي حجمها في البرلمان المتمثل بنسبة 20% من الكابينة الوزارية الجديدة. «
وأكد بوستين ان « الكتل السياسية السنية ايضا تريد نسبها من الكابينة الوزارية الجديدة وفقاً لتمثيلها، على الرغم من تأكيد تحالف القوى بأنه طرف «غير معرقل» لتشكيل حكومة جديدة. إذ تعترف «الكتل السنية» أنها باتت خارج المنافسة على «رأس السلطة» بعد «داعش»، وتهجّر أغلب جمهورها من مدنهم. وتركز مطالبهم حول مشاركتها بالحكومة المقبلة على ملفات تتعلق بوضع النازحين، وإقرار قانون العفو العام، فضلاً عن التوزان في المناصب الأمنية والمهمة الأخرى، إلا أن هذا لايعني بأن الكتل السنية موافقة على عملية الإصلاح وغير معارضة ولا تحمل آراء وأفكاراً تتقاطع بها مع القوى السياسية الأخرى، وربما قد تكون شروطها على صانع القرار هي بحد ذاتها شروطا متقاطعة مع رؤية القوى السياسية الأخرى، ورؤية صانع القرار.»
واختتم بوستين تقريره بالقول انه « لايمكن لصانع القرار العراقي أن يصلح الوضع السياسي للعملية السياسية ومن ثم إصلاح الوضع العام للدولة العراقية، إلا بمشروع وطني حقيقي يأخذ مصلحة العراق الداخلية والإقليمية بنظر الاعتبار، وليس العكس فإذا أدرك صانع القرار العراقي والقوى السياسية هذا الأمر وعملوا على مشروع وطني على وفق رؤية بناء الدولة والإدارة الحكيمة والحكم الصالح، ومشروع عابر للطائفية والمحاصصة، بما يتناسب مع مصلحة العراق الإقليمية والدولية، حينها يمكن أن يكون الإصلاح في العراق إصلاحاً حقيقياً، نابعاً من رؤى وإجماع وطني داخلي، ومن الممكن أن يحرك العملية السياسية ويدفع بها بالاتجاه الصحيح».

* عن صحيفة «الناشونال ديلي تليغراف البريطانية»

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة