الأخبار العاجلة

السرد التأريخي والبعد السياسي في الرواية العراقية

محمد يونس
لقد تعددت انماط السرد في الرواية العراقية السياسية البعد في اطار السرد التاريخي، لكن لا يبقى فقط منطقه التسلسلي هو اساس سرد التاريخ، بل هناك سرد متقطع ايضا في سرد مادة تاريخية بأيقاع ادبي وهو طبعا له وجه اهمية من كون الرواية من جهة ما ستمثل وثيقة تاريخية / ادبية، وتقرا بوصفها اطار ممتع لكنه يعرف بوضوح اخباري الجانب التاريخي، رغم أن تقنية السرد تجعله مادة ادبية تتمثل باطار تجنيسي، وهذا امر مرتبط بالمنطق الادبي لنمطية الكتابة، وهناك اكثر من اسلوب اضافة الى اسلوب تدوين المادة التاريخية روائيا، فهناك مثلا رواية افكار مرتبطة بتاريخ معين تفسره وتناقش معطياته، وتبحث في كشف اسرار واظهار مدونات ضامرة قد تشكل اهمية، لكن يبقى المتن الروائي مهيمنا، ولابد من أن يكون ما محقق سردا غير منفصل عن وحدات البناء ، بوصفه مادة تاريخية جامدة.
ولابد أن تكون كل مادة تاريخية داخل كيان الرواية هي جزء من مضمونها، لكنها لا تتخلى أن تشير الى تاريخها، وسردية التاريخ تقابل سردية الصورة التي اشرنا لها في موضع اخر، حيث هناك شكل وهو المتن التاريخي وهناك مضمون وهو يحف الكثير من التأويلات اضافة الى وجود الكثير من الدلالات الحساسة التي قد تظهر روائيا بمعنى جديد قد يتوافق مع التاريخي وقد يضفي عليه ما يطور بعده الدلالي،ولا تخلو رواية من سرد تاريخي الا بنسب ضيقة جدا، ورواية (منزل الغياب) لحميد المختار ذات النص الموازي ذي الدلالة المباشرة على سمة تاريخية، والتي كعتبة لرسم ملامح الغياب بسرد تاريخي، حيث تتوالى سردا وقائع تاريخية لجهتي العنف السياسي المتعد الادوات والمعارضة لهن وقد اشارت الرواية الى التفاصيل الثانوية للتاريخ السياسي، ودور صغار الادوات في نقل شفاهي لتقارير ليست تعبر عن دور فعل معرض، وانم الاقوال تتناثر احيانا بأنفعال عاطفي واخرى نتيجة انفجار نسبي للكبت.
وربما هي فطرة عفوية عند البعض من البشر، وقد قامت تلك الفطرة باهلاك اصحابها، حيث رسمت لنا الروية ذلك عبر ملامح تاريخية بتفاصيل جانبية تمثل مضامين ثانوية ظهرت الى سطح الرواية ليس مفاجأة، بل عبر نشاط الشخوص وحراك الاحداث بنموها نحو افق التكامل، وكانت دلالة الحلوى التي علم فيما بعد هي نشارة اخشاب ليس كانت دلالة اعتبارية تحسب للروائي، ورواية الفقيد كاظم الاحمدي ( قصر الازلزماني) هي تقريبا رواية تشكل منعطفا وجدانيا، لذا تعد رواية شعور / افكار، لكنها تطرح مقومات منعطف سياسي حساس، وتدخل في دواخل كيانات شخوص من خلال السارد وتنثر الافكار المرعبة، والتي هي الحس السايكلوجي للروائي وهمه الذهني الذي يعده مختصو علم نفس الادب كعالم سفلي لاقاعدة تمسكه قلقا او رعبا.
وذلك ما جعل الصفة السردية بقت تمتد مساحته الى الامام وترسم ملامح نصف واقعية – ونصف رمزية حادة، لكنهما تندمجان بعد التقابل الموضوعي لينتج لنا لغة اخرى لاتدرك بسهولة وتحتاج تواصل، والرواية فيها النص الموازي كما طلسم، حيث تبدو بوضوح المفردة مركبة ( الأزل – زماني ) ويشير هنا النص الموازي الى زمن خارق تجده فعلا في حالات السرد المختلف يتجلى عبر تغير الفعل السردي.
ورغم أن ظلال الطلسم قد خيمت على واقع الرواية وهذا لصالحها، كي لاتبدو بؤرة السرد واضحة، لكن النفس السياسي كما الاوكسجين لايحس لكن احتراقه هائلا يكون، وتجد كيان الذات الكاتبة لايهربمن تلك المواجهة، بل كان متحسبا لها ومتأهبا للتعيير، وكانت رواية ( خيبة يعقوب) لسعدون جبار اليبضاني، قد حافظت تماما بأمانة على مقومات تاريخ، وقدمت مادة سردية ارسطية النمط، وسعت من خلالها الى تأجيج عاطفة النص الروائي قبالة المتلقي، والذي ارجعته الى مستوى القارى العادي، وهي سهلة ومباشرة تحكي بشكل مسرود قلما تجاوز متن الحكاية وحافظ على متنه، حيث هي تحكي تاريخ شخصية تسلسليا بتحولات ظروف حروب واحدة تنسخ الاخرى، وتعيش عائلة عسكري ازمات تلك الحروب في حدود الحدث العام، وتنتقل من خيبة بحسها الانساني الى اخرى، ونبرة الرواية حكائية لا ينفلت الصوت منها الى الفن، وكان السرد تتبايعيا ينهي مرحلة من الحدث العام ليبدأ باخرى، ورمزية النص الموازي بمفردة ما يلي مفردة ( خيبة) هي ايضا اشارة تاريخية ، لها مستوى من الدلالة الأساس التي ترتبط بالقهر وحنة الانسان، وما تنتهي محنة عاشها النبي يوسف لتبدأ اخرى، ومن هذا الجانب الاخير هناك يكون نوع من التقابل بين المحنة التي تعيشه الشخصية المحورية في الرواية (جبر) والمحنة التاريخية، وكلاهما يلتقي بخيبته وظنه في الوجود البشري، ورواية سعدون جبار البيضاني من الاستهلال تؤشر انفلات الزمام وتحول المسار تجاه الخيبات.
وقد رسم لنا ظروف الرواية وتحولاتها بوضوح وتتابع، وقد مال احيانا الروائي الى تحميل لغة الرواية تضمينات بعضها حشر بلا ضرورة، ورواية باسم القطراني (متحف منتصف الليل) ذات البناء الفني الذي يعيد صياغة تاريخ الشخصيات بعد تحولها من بشر الى كائن ورقي، وقد تدخلت الشخصيات بشكل مباشر في تأكيد واقعها التاريخي، وتميزت الرواية بلعبة اجرائية ادت الى انحراف الرواية عن سياق معهود في التعامل مع التاريخ ، حيث رسمت ملامح تاريخ لتبرير سلوك الشخصيات، لكن ربطته بأقونات تاريخية، كي يكتسب شكل تلك الملامح حقيقته التاريخية، وهي قدمت لعبتها مبكرة منذ بداية واقعية تماما ومن ثم انحرفت عنها، بعدأن وقفت الشخصيات الورقية امام السارد المنيب عن الروائي والمتلبس لكينونته، وقد تقدمت المضامين الثانوية الى الامام لتحقق واقع الشخصيات بصفته التاريخية، لكن بسرد مختلف يتيح لكل جهة من تلك الشخصيات الثلاث أن تسرد تفاصيل تاريخها.
رغم النهايات التي قام السارد بمفاجأة الشخصيات بقيامه بالتلاعب بتاريخها دون اي تأثير على البعد الحقيقي منه، وهنا تكمن ميزة الرواية، حيث اكتسبت برسم ملامح تاريخ متخيل واعطائه صفة الحقيقة التاريخية، مثل أن هناك شخصية ضابط في الجيش العراقي السابق، فالجيش حقيقة تاريخية لكن الضابط ملامح رسمها الخيال، واكتسبت تلك الملامح حقيقتها من خلال الحقيقة التاريخية، بل تعرضت لما كان مشاعا في حدود معينة، لكنه اجرائيا كان معتبرا من امثلة المسكوت عنه، حيث تخون زوجة الضابط زوجها مع الجندي الشاب الذي ارسله لخدمتها، وتلك الجرأة الادبية تحسب كقيمة معنوية تتمثل رواية (متحف منتصف الليل) ، ولابد للرواية من عرض امثلة تاريخية غير مشخصة واقعيا، والا ما جدوى اعادة صياغة تاريخ اجوف لاعبرة فيه ولا اثام، حيث أن الرواية كانت (تحاول أن تحدد الدلالة البالغة لما وراء القص أبعد من حدود نزع الألفة )، وأن الدلالة التي قد توصف ببلاغة مبالغ بها هي اهم من دلالة لاتبلغ ذلك الحد، وشخصيات ورقية يمكنها أن تتجاوز حدود تاريخية دون اخلال بقيمة التاريخ، بل لم ابتعد الروائي باسم القطراني من فتح المجال للبؤرة السردية بعرض اشكالات معطاه الفكري، وهذا مهم جدا، لانك لابد أن تعي أن للشخصيات ارادة قد تكون جبارة وجرأة ادبية واسعة وايضا عاطفة جياشة احيانا، وتاريخ المرأة (سميرة) مثل نمطا من العاطفة الجياشة الواسعة والغير منضبطة.
وايضا هناك مدن ذات بعد تاريخي في الرواية دعمت حقيقة تاريخ الشخوص رغم كونها كأنات ورقية.
لابد من مسافة تامل للخيال الادبي كي يتماهى ويمكنه بالتالي ان يدرك نسق التاريخ ، وبنية التاريخ ان يبدا الخيال الادبي من عتبتها، فسيبقى يتحرك داخل حدود ذلك النسق ، ولا يعبر واصفا الا ما هو جامد ، لكن ان عاكس الاتجاه ، وبدات الحركة من فعل سردي بزمن الحاضر وبعلائق مع مقطع من البنية التاريخية ،لم يستند الخيال على تغيير فعل الماضي دون التمييز بين مضمون داخلي للتاريخ والشكل الخارجي، وذلك لان الشكلين متقابلان ولكن يختلفا في استدراجهما للحاضر، فالمضمون التاريخي يحوي شكلا ، لكنه غير جامد ، مثلما في الشكل الخارجي للتاريخ، وهذا اعتمده الاهم والاميز من الخطاب الروائي ، وكانت رواية (سيرة ظل) مثال معتبر للفكرة ، والعنوان هو حالة اشارية او ايحاء للفكرة ، حيث مفردة سيرة تمثل شكل التاريخ الدارج والفطرة البشرية ايضا، فيما مفردة ظل توحي لنا بوجود تقنية في المادة الروائية تعمل توظيف نشاط السردي قليل الوصف لاستيعاب مضمون ذلك المقطع التاريخي ، فكان النشاط التاريخي غير مدون بل مسرود، وطبيعي للخيال الادبي امكانية هدم الشكل التاريخي هنا واعادة بناءه، وبما ان الرواية الانية اكثر من وصفها مجازاً لما هو حديث وتعبير عنه،والانية كانت مفتتح رواية (سيرة ظل)، وقد جنبها ذلك ان تقترب من الشكل الملحمي، ومنحها هالة جمالية، وكان الزمن الروائي فيها يتناوب باداء فني بين الزمن المنطقي والزمن التاريخي .

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة