الأخبار العاجلة

الخلق الأدبي – إنتاج النص

محمد يونس
كانت الرواية العالمية القديمة تتحاشى هذا السياق او تخشى الخوض فيه فتتفقد ما هو يمثل الذاتي والشخصي، وان تتداخل فيه تلك الصيغ، ويتمظهر منتج الخيال الابداعي بهيبة، او ما يسميه ريكاردو بزيادة الفعالية، اي بدل مذكرات السارد تكون مذكرات الهو او ما يماثله، وهنا سيكون السارد مقتنعا بسرد الخلق الادبي الذي انتجه النص، والذي هو سيكون افتراضا والتباسا، لكن يتيح توسيع الافكار ويحقق التأمل للراوية لنفسها، ويحيد المعنى العام الى ما يشكل جذبا فاعلا ، والذي أن كان ماضيا سيجزأ، وأن كان حاضرا ستكون الرواية تناور لنا بأزمنة مختلفة كما لدا فوكنر في ( الصخب والعنف )، حيث الفن الروائي تحكم بأزمنة الاحداث، وقام بتجزئة الازمنة واعادها من جديد، وأن تلك الصيغة التقنية فرضها النص على فوكنر، وأن كانت تخطيط اولي فكيف تتوافق مع حركة النص، وأنها على الغالب ستتعارض معه،وذلك أن كان اوليا سيكون اجتهادا، فيما الخلق الأدبي يتيح للنص خلق ادوات داخلية، هي اوسع واعمق مضامينها من الأدوات الخارجية، ويتطرق محمد تحرشي الى ما يتوافق مع طرحنا بالقول (أن كل نص يفرض أدواتٍ إجرائية تناسبه، وتنبع من داخله، وتستطيع أن تقدم قراءة فنية جمالية تكشف عن خصوصية الكائن والمحتمل)1 ، ويكون الخلق هنا ابعد من التخليق، لأن الخلق فني- قيمي – جمالي فيما التخليق نتاج غرض جاد ويحافظ على موضوعيته، والكاتب يسرد ما شاهده ويراه، اي هو ينقل رؤيته للعالم، فيما النص يسعى لأنطباع مرن ويتوسع ابعد من سمته الأساس، والنص الروائي يتأمل نفسه كمحتوى داخلي، ثم يهدف للكشف قيمته ومضمون حقيقته، وارى أن الشكل الفني يناور كاتبه او يثيره ليتجاوز شخصيته وامتلاك قدرة فنان في نسج صور لتفاصيل اعلى من ادراكه الشخصي، ومن طبيعة الرواية الجديدة الا تخفي سعيها لعملية انتاج الخلق الأدبي ، وهناك من يعزي الدافع الى مهام الوصف المتطورة حد التحايل والتلغيز، فيكون النص الروائي مصدر احاجي والغاز يقف احيانا الكاتب فيما بعد مبهوتا، ويسأل هل انا كتبت ذلك، وهناك اكثر من كاتب عالمي اقر باندهاشه لبلوغه حدا من الانقياد الى النص مؤثرا به، ومن ثم اقر بأنه لوحده أن يتمكن من هذا، وأن قيمة الأبداع هي متربطة بما ينتجه النص من قيم، قد تبلغ اذهال القارى العضوي، وتكون هنا كأنساق ابداع غير افقي، وبالتالي تواجه القارىء العضوي كاشفة عن قيم قد تعادل موضوعيا قيم كبرى، وهنا يتأكد أن الخلق عادة ما يختلف عن الصنعة في الفن الروائي، حيث القيمة الجمالية لاتبدو الا عبر تطور الخلق الفني، وبعد تجاوز التصور التقليدي لوحدة الوجود، وتماهي الخيال الاداعي يكون ساعيا الى التكامل الجمالي، وما قيمة ما كتبه بروست أن خلت من تطور الخيال الى حد قصي، حتى كان بروست رساما تعبيريا بموهبة عالية، حيث صور وقائع حقيقية على أنها متخيلة، وهنا بدى ما هو فني اميز مما هو مادي او حقيقي، وكانت حقيقة المتخيل بتصور مفتوح الأفق، هي اكثر وايقن وارسخ من حقيقة المادي، كون السرد لايحيلنا الى حقائق معنوية، وهو يؤكد لنا ما هو مألوف وعادي، وتلك بمجملها ليست بحقيقة الكاتب، كون الذاكرة أن كانت تاريخا، فهو غير مدون، وأن اغلب المعاني المهمة هي تكون فيما بعد، اي نشعر بها من خلال واقع الشخوص، وعلى الاخص فيما يميزهم، او حين ينفردون ويناجون انفسهم، وهنا تبدو قيم النص كحقائق كانت ضامرة، وبدت كحقيقة من خلال تلك المناجاة، وهي حقيقة هنا ذات قيمة، كونها تكون بحالة تفرد، وتتغير هنا وحدات الزمن، وكذلك يختلف نمط الايقاع، كون الايقاع هنا داخليا وليس خارجيا كما في السرد، حيث لاثبوت للتسلسل زمني، فهنا يتزعزع ويفقد ثبوته، فالزمن هنا في توصيف ليس الا ايقاع لتلك المناجاة الحساس، والتي تتسم ببعد نفسي مذهل، وفي المفاضلة طبعا خلق النص سيكون اكثر حقيقة واميز فنا، وعدى البعد الجمالي يكون اكثر بهجة .
للأسف ما هو سائد في في التفسير النقدي، دائما الـتأكيد على مهمة الكاتب، كونه هو أبن الواقع، وكأن الكتابة نمط الي يؤديه عضويا، وذلك الاطار المادي يحيل الى فكرة،أنه ليس هناك نشاط للنص، او فعل يقابل فعل الكاتب، ولا وجود لسعي فيه أن النص يستثمر نفسه، فيما هنا يكون فيض الشعور الداخلي المتحرر من زمن الوحدات الاجتماعية، هو طاقة انتاج تثير الكاتب، وتحوله الى وضع بشري مختلف، حيث تجرده من كل العوامل التاريخية، ويبث النص فيه طاقته، وصراحة بالنسبة لي اعتقد أن من يبلغ ذلك التجرد، هو روائي بحس فنان، وتزايد عمق الحس لديه ، هو ناجم من تزايد الطاقة الانتاجية للنص، ويكون الخلق الادبي للأحاسيس كتيار سريع من الاحلام والاوهام، لكن بموضوعية فنية تامة، وتلك الأوهام بجرأة ادبية تكون حقائق لذيذة، تمتع القارىء العام وثير القارىء الخاص، لكن نمط الاثارة يكون جماليا، كما أن معنى العالم سيكون مختلفا، حيث يمكن للكاتب هنا أن يروي لنفسه ما يؤمن به، لكنه مختلفا بكل الاحوال سيكون، فيشعر القارى أن ذلك هو ما يبحث عنه .

ادوات النص – محمد تحرشي – اتحاد الكتاب العرب

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة