عدوى الشعر للسرد

(اللغة بنت عصرها)
نثر الروايات لكثير من الكتاب لا يعالج حدث ولا يرسم شخصية ولا يخلق مايسترو الراوي الذي يدير سمفونية الحكاية. بقي هذا النثر مجرد كلام مجهول المصدر ومجهول الغاية والقصد، لا نعرف الى أين يؤدي ولمن يخاطب. طبعا، الهذيان جميل لسهولته في أكثر احواله وتجلياته لكن مستحيل ان نصف به نثر الروايات الجديد بل يمكن تصنيفه سرديا بالهذر لا غير. بكل هذه العلل الفنية والمشاكل البنائية والخواء السردي ينشر هؤلاء روايتين وثلاث في السنة، وهي لا تعدو كونها تحقيق صحفي(ريبورتاج) أو سياحة عشوائية في مدن الذاكرة،أو تهويمات لغوية تقف في النقطة الميتة ما بين السرد والشعر. والمصيبة ان هؤلاء الكتاب يبرزون هوية الذات الابداعية ويقدمونها على حساب هوية الذات الانسانية فيسقط الكتاب في هاوية الكذب الثقيل، معظم هؤلاء يمشي ويتنقل من مكان لمكان وهو يحمل عدة أدواته السردية، حقيبة الادوات التي لا تفارقه أبدا، ناسيا انه بشر، انسان عليه ان يعيش بدون هويته الابداعية،مثل هكذا كاتب لا يزاول العيش بل يزاول الكتابة داخل العيش فيخسر نفسه كونه بشر عليه التمتع بالحياة، ودائما مثل هكذا كاتب يضيع المشيتين، لأن من ينسى هويته الاولى الاصلية يعيش بذات مزورة فلا يكتب سوى التلفيق والاكاذيب ولا تحمل اي بصمة مبدع وحتى مؤرخ وناقد، بل سيبقى يدون وثائق مزورة. بعكس الروائي الذي يعتز بهويته الاولى الاصلية كانسان، تخرج من بين أصابعه روايات تحمل بصمة الصدق المرح خاصة عندما لا تؤرقه الشهرة ويسقط في فخ النجومية السرابي، بل تندمج نفسه على جميع الذوات في واحدة حية تنبض بالموهبة والعمل الشاق والخيال الينبوع، عندها يكتب رواية لم يقرأ مثلها من قبل ونسي جميع الروائيين العظام كتابتها وها هو يكتبها عوضا عنهم، يكتب رواية يحب قراءتها هو لا غيره. كل هذا الاخلاص للكتابة لأنه قدم هوية الذات الانسانية على غيرها فكتب روايات تعكس ولعه بتفاصيل الحياة التي لا يراها الناس والتي تشكل السؤال الوجودي وقيمة الفرد داخل ضخامة الكون.
عندما اقول عدوى الشعر لا بصيغة المرض والعلة والداء بل بصيغة الكسل بعدما هبت رياح السرد على الشباب العراقي وهي علامة صحة لأنه حتى اذا فشل يبقى يحاول ويقرأ ويعيد تجربة الكتابة من جديد لكن عليه أن لا ينلدغ من ذات الجحر الكتاب الذي فشل فيه، وان يأخذ عبرة وتجربة واعية ويدرك بان الرواية عمل شاق لبناء عالم متخيل أو عملية إعادة بناء عالم موجود، لا كما نقرأ من روايات يستعجل كتابها ليضع قبل اسمه الـ (روائي) وكتابه ليس فيه إطار حكائي ولا بناء سردي ولا رسم للشخصيات ولا صناعة للراوي، الذي يدير شؤون السرد وينتقل من فصل لفصل ومن حادثة لأخرى، وعلى الروائي الشاب ان يتخلص من آفة الكسل الشعري الذي يقود زمام كتابة الرواية.
نصيف فلك

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة