أسانيد داعش المحرّفة في سبي النساء

الجزء الثاني
بدور زكي محمد
كنت قد أشرت في الجزء الاول من هذا المقال الى ثلاثة اتجاهات في تناول ظاهرة السبي التي شاعت في ممارسات الدول الاسلامية عبر التاريخ، ويهمني التنبيه إلى اهمية الإتجاه الثالث، الذي حرص أصحابه من الباحثين المجتهدين، على تنزيه الاسلام، وتخليصه مما لحق باحكامه من ظلم، بسبب تعسف معظم المفسرين قديماً وحديثاً، وضيق أفقهم.
وكان منطلق هذا الإتجاه في التعامل مع كتب التراث، أخلاقياً وعقلياً، فما دامت النظرة إلى الإسلام على أنه رسالة هداية للناس أجمعين، ورحمة بهم، وأن الرسول (ص) موصوف في القرآن بأنه على خُلق عظيم، فلا يجوز أن نزّكي أي رواية تنتقص من مزاياه الحميدة، مهما كانت مكانة صاحب الرواية، ومهما علا تسلسل الرواة. وقد زاد عدد الباحثين في هذا الشأن بحكم الأحداث التي تشهدها بلاد المسلمين، وبسبب الزيادة المطردة في وسائل الاعلام التي يروج أصحابها لفتاوى الارهاب والقتل والسبي بسبب اختلاف الدين او المذهب. ونعلم أن طريق هؤلاء المخلصين ليس سهلاً، فهم يواجهون خصوماً أقوياء بأموالهم وحكوماتهم، ويتعرضون للاعتقال والتشهير، ولا ظهير لهم سوى نخبة ممن اختاروا تحكيم عقولهم وضمائرهم.
ومن رواد الاتجاه الثالث الباحث في المنهج اللفظي الترتيلي؛ قصي الموسوي، فقد فنّد بعض روايات القدماء، ومنها ما أورده الزمخشري (ت سنة 1143 م) التي نقلها عن مجاهد، ومفادها:” اليوم ليس مَنّاً ولا فداء، وإنما ضرب العنق أو الإسلام”.
يوضح الباحث تهافت هذ القول، كونه يتعارض تماماً مع الآية الرابعة من سورة محمد، التي تشير على المحاربين بالمنّ أو الفداء، ولا يتوقف هذا الفقيه عند هذا الحد، بل يضيف من عنده “ويجوز أن يراد بالمنّ أن لا يقتل الأسير، بل يُسترق، أو يدفع الجزية إذا كان ذمّياً”.
كما ينتقد الموسوي أيضاً، ما جاء في تفسير محمد حسين الطباطبائي الذي يجيز استرقاق الأسرى ويعده خياراً إلى جانب المنّ والفداء والمبادلة، كل ذلك في الضد مما أشار إليه القرآن، وسيرا وراء نزعة الإجتهاد المتوافق مع الرغبات والمصالح، أو ربما الجهل.
ويعيب الشيخ الأزهري محمد عبد الله نصر، على معظم الفقهاء إصرارهم على شرعية السبي، ويرى أن القرآن لا توجد فيه آية واحدة تعطي الحق للمحاربين بأن يسبوا النساء، ويتمسك بآية المنّ والفداء (الرابعة من سورة محمد) التي يعدها الأساس في تعامل الرسول مع أسرى الغزوات بنحو عام.
وفي هذا السياق يقول الباحث عدنان إبراهيم إن بعض الفقهاء يدّعون أن الرسول (ًص) استرّق الأسرى، لكنهم لا يأتون بمثال مقنع، ويضيف بأنه كان ميّالاً إلى تحريرهم، ويستشهد بما حصل بعد غزوة حنين، حيث تنازل النبي عن نصيبه من الأسرى والسبي، حين ناشده القوم المهزومون : ” منّ علينا يا رسول الله منّ الله عليك”، وقد رفض بعض زعماء القبائل التنازل عن أنصبتهم. على إن هذه الرواية مع مافيها من أيجابية، لكنها تتعارض أيضاً مع نص الآية المذكورة التي تمنع الأسر في الأساس، فكيف يأخذ النبي نصيبه وهو مأمور أو مُخيّر بين المَنّ والفداء؟. وهنا يشير الطبرسي في مجمع البيان، إلى أن أعداد النساء والذراري التي أخذها النبي في غزوة حنين، بلغت ستة آلاف (5/36). وقد عبرت كثير من كتب التراث عن الزهو والفخر كلما زاد عدد السبايا، ففي الطبري مثلاً أرقام ألفية عن سبايا الشمال الأفريقي، التي ساقها موسى بن نصير وأولاده إلى دمشق.
وقد اختلف الفقهاء في مسألة سبي المرتدة، فعلى المذهب الحنفي والشافعي والحنبلي، تُخير المرتدة بين الإسلام والقتل، أما الفقيه مالك فيرى إن المرتدة تحبس وتُكره على الإسلام. وقد أورد هذا الرأي القاضي عيّاض في كتابه؛ الشفا بتعريف حقوق المصطفى. وفي كتاب جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر، يذكر على لسان عمر بن عبد العزيز، أن أبا بكر سبى نساء المرتدين، لكن عمر بن الخطاب ردّهن إلى عشائرهن حين صار الأمر إليه.
ومن الأمثلة على تعطش بعض الفقهاء، للقتل والتدمير، ما ورد في كتاب؛ الإختيار لتعليل المختار، الذي يُدَرَس لطلاب الثانوية في الأزهر، يقول مؤلفه عبد الله بن مودود الموصلي، في فصل فتح البلاد/ ص 391: ” وإذا فتح الإمام بلدة عنوة، إن شاء قسمها بين الغانمين، وإن شاء أقرّ أهلها عليها ووضع عليهم الجزية وعلى أرضهم الخراج، وإن شاء قتل الأسرى أو استرقهم، أو تركهم ذمّة للمسلمين، ولا يفادون بأسرى المسلمين، ولا بالمال إلا عند الحاجة إليه. وإذا أراد الإمام العودة ومعه مواشٍ يعجز عن نقلها، ذبحها وحرقها، وتحرق الأسلحة. أما الأسارى فيمشون إلى دار الإسلام فإن عجزوا قُتل الرجال وتُرك النساء والصبيان في أرض مضيّعة حتى يموتوا جوعاً وعطشاً، لأنا لا نقتلهم للنهي،.. ولا يجوز المنّ على الأسرى لما فيه من إبطال حق الغانمين بغير عوض، فإن حقهم ثبت بالأسر”.
وأمام الروايات الكثيرة عن الأسر والسبي، لا نملك إلا أن نرفضها إذا كنا حريصين على تنقية ديننا، وسلامة صورة نبينا ومسوغ الرفض أنها تسيئ إلى الرسول وتتجاهل التعاليم التي تضمنها القرآن بشأن العلاقة الزوجية وضوابط انقطاعها، وتفصيل ذلك على سبيل المثال إن المرأة المطلقة لا يجوز لها أن تتزوج ثانية إلا بعد انتهاء عدتها (ثلاثة أشهر)، وتزيد الفترة على الأرملة بشهر وعشرة أيام، في حين يخبرنا صحيح البخاري (حديث 2542) نقلاً عن إبن محيريز، عن أبي سعيد الخدري أنه قال: ” خرجنا مع رسول الله في غزوة بني المصطلق، وأسرنا منهم بعض العرب، وقد اشتهينا النساء، وكان طول تغيبنا قد أثّر فينا، وأردنا أن نعزل (نتلافى الحمل)، فسألنا النبي، فقال: ليس هناك حاجة لذلك، فما من نفس أراد الله خلقها إلى يوم القيامة إلا وستخلق”. وفي شرح هذاالحديث، يقول الشريف حاتم بن عارف العوني، المدرس في جامعة أم القرى: ” إن نكاح المرأة المتزوجة حرام قطعاً، وهو زنا، لكن الآية 24 من سورة النساء استثنت المتزوجات المسبيات في الحرب، أو اللواتي تم بيعهن، فإنهنّ مُباح نكاحهنّ ولو كنّ ذوات أزواج، بشرط أن لا يكون أزواجهنّ معهنّ في السبي، فإن كانوا معهنّ فيبقى الزواج بينهما ما داما في ملك رجل واحد.أما إذا بِيعَ أحد الزوجين فقد انفسخ النكاح بالبيع وجاز نكاح المسبية بعد استبرائها” أي التأكد من عدم حملها. وللدخول في جو هذا النص أجد حاجة للاعتذار إلى القارئات والقراء، بالنيابة عن الشارح بسبب لغة الشرح والفكرة الفاضحة التي تختفي وراءها، واستغرب كيف يتشدد الفقهاء في العلاقة بين الرجل والمرأة، زواجاً وطلاقاً، ويبيحون في الوقت نفسه الإغتصاب الذي هو نوع من الزنا، مادام لا يقع تحت مسمى الزواج، كيف يتجاوزون على إنسانية المرأة استجابة لشهوات المحاربين أو السادة المالكين للإماء؟ ألا يكشف هذا عن ميلهم لإعادة تاريخ الغزو والسبي؟ إنها أسئلة موجعة للعامة من المؤمنات والمؤمنين بالإسلام، لكن معظم الفقهاء، من قدماء ومعاصرين، لم يأخذوا بالإعتبار كرامة المرأة ولم يخطر على بالهم مثل هذه الأسئلة. فقد اختلفوا في تفاصيل غير أساسية، وكما ينقل القرطبي في تفسيره للآية 24 من سورة النساء، في كتابه: الجامع لأحكام القرآن، نقلاً عن الإمام الشافعي ” إن السباء يقطع العصمة” وهو أيضاً قول لمالك، وأبو حنيفة وأصحابه، وأحمد وإسحاق وأبو ثور، ويضيف القرطبي بالقول: ” وهو الصحيح إن شاء الله”. لقد غاب الحسّ الإنساني عن شرّاح النصوص، وصاروا يجتهدون من عندهم، وهم الذين صدحوا بقاعدة مازالت تسلط كسيف على رقاب الباحثين المحبّين لدينهم، ألا وهي ” لا اجتهاد في مورد النص”. فهذا القرطبي في كل ما قاله ، استند إلى الرواية العجيبة عن تهافت المحاربين على النساء المسبيات، وهو لذلك طوّع نص الآية 24 وعدّ أن استثناء النساء المسبيات من حكم المحصنات، جاء لرفع الحرج عن المسلمين في معاشرة الجواري حتى لو كنّ متزوجات. وبالمناسبة فإن هناك رواية أخرى في صحيح مسلم، عن غزوة في زمن الرسول (ص)، تشير إلى أن أحد الغزاة سبى امرأة حاملا وأوقفها على باب خيمته، فسأل الرسول إن كان يريد أن “يطأها”، فقيل له نعم، فأنكر عليه وتوعده باللعن إن فعل. وما يدعو للعجب في روايات السبي إن الغزاة لم ينتظروا، بل هاجموا ضحاياهم، فكيف يتحدث الفقهاء عن استبرائهنّ!!
ويذكر أن بعض الفقهاء من الحنابلة والشافعية والحنفية قد نبهوا إلى عدم جواز معاشرة الحامل حتى تضع حملها، إلا أن البعض الآخر أجاز الإستمتاع بالمسبية الحامل وغيرها قبل الإستبراء (التأكد من عدم الحمل)، لما روي عن البيهقي (ت سنة 458 هجرية) من أن أحد المحاربين في جلولاء وقع في سهمه “جارية عنقها كإبريق الفضة، فلم يتمالك نفسه أن قبّلها والناس ينظرون، فلم ينكر عليه أحد من الصحابة”. أضيف إلى ما تقدم رواية سبي صفية بنت حيي بن أخطب في غزوة خيبر، وهي الأخرى تسيئ إلى النبي إساءة فادحة، وتفصيلها في صحيح مسلم (الجزء الثاني/ ص 1043) إنه بعد جمع السبايا، جاء دِحية الكلبي وقال للرسول: ” أعطني جارية، فقال له اذهب وخذ، فأخذ صفية، فجاء رجل إلى الرسول وقال إنها ابنة سيد قريظة والنضير (زعيم قبيلتين يهوديتين)، وما تصلح إلا لك ..، فلما نظر إليها اصطفاها لنفسه، وأعطى دِحية غيرها، وأعتقها وتزوجها. حتى إذا كان النبي في الطريق جهزتها له أم سليم، فأهدتها له في الليل، فأصبح النبي عروساً”. وقد يهوّن من هذه الرواية إن ابن حبّان ذكر في صحيحه (ج 10/ ص 390) إن النبي خيّر صفية بين أن يتزوجها أو تعود إلى قومها، فاختارته. ويلاحظ على هذه الرواية إن الراوي تجاهل أن صفيّة لم يعد لها قوم، فقد قتلوا جميعاً. وقد روى ذلك أيضاً أحمد وأبو يعلي والطبراني. وأكثر ما قيل بشأن صفيّة من الروايات المُخجلة، ما نقله الواقدي في كتاب المغازي: “وبات أبو أيوب الأنصاري قريباً من قبة الرسول، آخذاً بقائم سيفه حتى أصبح فلما خرج رسول الله كبّرَ أبو أيوب، فقال: مالك يا أبا أيوب؟ فقال: يا رسول الله دخلت بهذه الجارية وكنت قد قتلت أباها وإخوتها وعمومتها وزوجها وعامة عشيرتها، فخفتُ أن تغتالك. فضحك الرسول وقال له معروفاً “. إن من شأن هذه الروايات أن تطعن في التعاليم الأخلاقية التي أوردها الكتاب والسنّة، ما يعطي مسوغاً لإهمالها فليس لها أي رصيد من القرآن، ونعلم أن الأحاديث جرى التلاعب بها انطلاقاً من مصالح وأغراض لا علاقة للدين بها.
إن الدعوة إلى تجاوز كثير مما ورد في سير الأقدمين عن الرسول، بشأن السبايا، لا تصطدم بحقيقة ورود آيات تتحدث عن ملك اليمين (العبيد والإماء)، لأن العبودية نتاج عهود طويلة سابقة على الإسلام، واستوجب معالجتها تدريجياً على يد من يُفترض أنهم ورثوا العقيدة وأمانة المحافظة عليها وتحبيبها لدى المسلمين. أما أن يأتي الآن من يدافع عن العبودية، ويؤصلها كما لو كانت أمراً عبادياً، فهذا لا يخدم الإسلام، ويقدم مبررات للإرهابيين الذين وجدوا في تراث الأقدمين ملاذاً لإطفاء غرائزهم، فحتى أحد الدعاة السلفيين، محمد المسعري، يؤشر إلى هذه الناحية ويرى إن الحروب التي أدت إلى استمرار السبي والإستعباد، لم تكن في سبيل الله، بل عبرت عن حب الدنيا.
بهذا ينتهي القسم الثاني من مقالي، على أن أعود في القسم الأخير لتفصيل ماورد بشأن النساء المستعبدات، والختام ببعض الأفكار مما تستدعيه الأحداث والنوائب التي جلبها علينا دعاة الغزو والسبي والقتل، وجنودهم من داعش وغيرها.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة