الأخبار العاجلة

تازة.. الجرح الذي لا يؤلم

سلام مكي
كاتب عراقي
عدة ايام مرت على كارثة الهجوم بصاروخ يحمل مواد سامة، وكيمياوية وغاز الخردل على ناحية تازة التي تسكنها غالبية تركمانية، الهجوم الذي تسبب بإصابة العشرات من المواطنين باختناقات وتشوهات جسدية، اضافة الى بعض الوفيات. عدة ايام مرت، ولم نسمع رد فعل، يناسب الكارثة التي تسببت بأذى جسيم بحق المواطنين الابرياء الذين لا ذنب لهم سوى انهم ينتمون الى فئة محددة، قد لا تمثل الاغلبية، ولا تملك احزاباً وسياسيين، يطالبون بحقوقهم، امام وسائل الاعلام والحكومة. لم نسمع سوى تصريحات لرئيس الوزراء قد لا ترقى الى مستوى الحدث، تمثلت بأن الحكومة، سترسل فرقاً طبية ومساعدات الى السكان المصابين، لإرشادهم نحو سبل التخلص من آثار الهجوم! وقبلها بين لوجهاء وشخصيات تازة الذين ذهبوا الى مقابلته في بغداد، ان داعش لن تفلت من العقاب جراء فعلتها مع تازة! اما من جانب السياسيين الآخرين فلم نسمع سياسياً تكلم باللهجة نفسها التي تكلم بها، حين تعرضت مناطق معينة الى هجوم، مسلح! لم نسمع سياسياً استنكر هذا الفعل، وطالب الجهات الرسمية بأن تتولى مسؤوليتها القانونية في محاربة الارهاب، والاسراع بتحرير السكان المدنيين من خطر الارهاب المحدق بهم! الا ان سياسيا، صرح ان الهجوم الكيمياوي افضل من الهجوم الاعتيادي، اذ ان الخسائر التي تعرضت لها المدينة اقل فيما لو لم يكن الصاروخ يحمل غازات سامة! بالمقابل، نجد ان اهالي تازة، الذين مازالوا الى اليوم، يعانون من مشكلات صحية كبيرة، اضافة الى تشوهات خلقية، سيتصورون ان حياتهم ليست مهمة لدى الحكومة، وان ما تعرضوا له من هجوم كيمياوي امر طبيعي، في حين انهم سيتذكرون ان مدينة اخرى، تعرضت الى هجوم من قبل ارهابيين، ادى الى استشهاد بضعة اشخاص، قامت الدنيا ولم تقعد، اذ تمت المطالبة بتدويل القضية، وادخال قوات اممية الى تلك المدينة لحمايتها من خطر الارهابيين، في حين هم: لا احد طالب بمعالجتهم حتى! سوى نقل بعض المصابين الى بغداد! بينما العشرات مازالوا في اماكنهم! يعانون من آلامٍ وصعوبات ومشكلات صحية. اما ثوار الفنادق، الذين يصرخون في الاعلام ليل نهار ان الحشد طائفي، وانهم يرفضون مشاركته في قتال داعش، كيلا تصيبهم حساسية طائفية، وان بقاء داعش تقتل وتسبي النساء اهون عندهم من دخول قوات تخالف عقيدتهم، فلم نسمع لهم صوتاً، وكأن الضحايا ليسوا عراقيين! ثم ان الحكومة نفسها، المكلفة قانوناً ودستوراً بحماية جميع العراقيين، واتخاذ ما تراه مناسبا، من اجراءات في سبيل حماية شعبها، بعيداً عن اصوات المعارضين الذين تحركهم اياد خارجية مهمتها، انهاء ما تبقى من البلد. فالحكومة، مطالبة باتخاذ اجراءات اكثر صرامة، وحزماً، ضد الارهابيين، مطالبة بتطبيق قانون مكافحة الارهاب ضد كل من يروج للإرهاب، ويدعمه حتى لو بالكلمة، مطالبة بوضع حد للتدخلات الخارجية، خصوصاً ضد الدول التي تدعم الارهاب. مطالبة باستثمار هذه الحادثة، عبر انصاف الضحايا من خلال اشراك جميع الفصائل المسلحة المنضوية تحت لواء الدولة، في الحرب مع داعش، وتعبئة المجتمع العراقي، واسكات الاصوات التي تطالب بإبقاء داعش، على حساب غايات طائفية، ونفعية ضيقة. للحفاظ على ارواح المدنيين الذين سيطالهم الارهاب، لو استمرت الحكومة بالتهاون معه. اما من الناحية الخارجية، فالحكومة بمقدورها ان تستثمر هذه الحادثة، لنيل دعم الدول في حربها مع الارهاب، والطلب منها الدعم العسكري والاعلامي لمواجهة الارهاب. على الحكومة اطلاع الامم المتحدة والمنظمات الدولية على فادحة هذه الحادثة، علماً ان الاسلحة المستعملة في الهجوم محرمة دولياً، وهذا يحيلنا الى سؤال جوهري، ربما يتحاشى الجميع الاجابة عنه: من اين حصل الارهابيون على الغازات السامة والاسلحة الكيمياوية؟ فداعش، منظمة ارهابية، تتكون من عدد من المرتزقة من جميع انحاء العالم، وليست دولة، بالتالي، فلا يمكن لهذه الجماعة ان تملك هذه الاسلحة دون دعم من دولة او مجموعة دول! على الحكومة ان تطلب من الامم المتحدة ومنظمة حقوق الانسان ان تفتح تحقيقا في الحادث، لمعرفة من هي الجهة التي اعطت للتنظيم الارهابي هذه الاسلحة المحرمة دوليا، ثم تقيم شكوى بحقها امام محكمة العدل الدولية، اما المجاملة على حساب دماء العراقيين، والصمت ازاء التفجيرات والهجمات الانتحارية المدعومة من دول مجاورة، فلا يخدم سوى الارهاب نفسه. وتبقى تازة جرحاً عميقاً، لكنه لا يؤلم صاحبه، والسبب يعود الى ان من تسبب بهذا الجرح، اضافة الى ان مكانه ليس مهماً بنظر صاحبه، فهو يستعمل أماكن آخر من الجسد، فلا يحتاج الى المكان الذي حدث به الجرح، ولا يعلم ربما، يأتي يوم، وتكثر الجروح، وتصل الى الاماكن المهمة والحساسة من ذلك الجسد.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة