«اليهودي الحالي)..

أول وثيقة إنسانية جمالية
أحمد المديني
روائي وناقد مغربي
من تاريخ معرض الكتاب بالرياض حتى يومنا هذا قرأت أكثر من عشرة كتب.أولها رواية (اليهودي الحالي) للكاتب اليمني على المقري. هذا الكتاب التفاتة مفاجئة لحالة متخفية عن التاريخ العربي الاجتماعي والثقافي والسياسي. نعرف ونتحدث بهمس عن اليهود في منطقة جنوب الجزيرة العربية. وسمعنا بهمس عن موضوع يهود اليمن. هذا الكتاب أول وثيقة إنسانية جمالية عن هذه الطائفة الاشكالية. لا أستطيع أن أسوق للمادة العلمية التي أخذ عنها الكاتب ودقـة معلوماته التاريخية. الاتجاه الأكاديمي لا يعني قارئ كتاب اليهودي الحالي. الكتاب رواية. ينتصر فيها الحس الجمالي الإنساني ويزيل ما سواه. قراءة هذا الكتاب سوف تخرجك من الحساسية السياسية التي تطال أي موضوع يخص اليهود. يبقى اليهود بشراً.
يرسم الكتاب بأسلوب جميل وبسيط ومباشر الحياة التي كان يعيشها اليهود في اليمن. فتاة يمنية مسلمة تقع في حب مراهق يهودي. أخيراً تتزوجه وتهرب معه إلى صنعاء. من خلالها تنكشف لك العلاقة الإشكالية التي تعيشها الأقليات المحتقرة. لا يقف الأمر عند الجيل الذي ارتكب المأساة. المأساة الكبرى تقع في هوية الابن الناتج عن مثل الزواج. هل هو يهودي أم مسلم. المسلمون يأخذون المسلم وفقاً لهوية أبيه واليهود يأخذون اليهودي وفقا لهوية أمه. هذا الابن الذي جاء من زواج مسلمة على يهودي أصبح بلا هوية. عندما يذهب لليهود يعتبرونه مسلماً لأن أمه لم تكن يهودية وعندما يعود إلى المسلمين يصبح يهودياً لأن أباه كان يهودياً. هذا الحب الذي ولد هذه المأساة لا يستطيع أن يقف عند هذا الحد من الألم. العاصفة تتجلي عندما يطالب رجال الدين المسلمون إجلاء اليهود من بلاد العرب. عندما قرر الإمام إجلاءهم لم يعرف إلى أين. لا أحد يعلم. (لم يبكوا طبعاً ، فقرار الإجلاء لم يتح لهم فسحة لذلك. وبدا أن وجهتهم ستمضي عكس أحلامهم، إلى هناك، إلى حيث لا يدرون)..
قليلاً ما تجد رواية يتفق فيها الحس الجمالي مع الحس الإنساني الرفيع. هذه الرواية من الأعمال العربية القليلة التي استطاعت أن تضعك في هذا الركن القصي من التجربة. ترفعك إلى أقصى درجات وعيك. تخرجك من الصراعات السياسية واليومية والأيدلوجية. تبقى أسير المسيرة الإنسانية التي يخلقها الحب في أقصى تجلياته. حب بسيط بين شاب وشابة يحدث في كل مكان في العالم يتحول في هذه الرواية إلى عاصفة أليمة.
تعكس رواية (اليهودي الحالي) للشاعر والروائي اليمني علي المقري نموذجاً جديداً للشخصية اليهودية في الرواية العربية. هنا يحمل البطل سالم صفات بشرية لم نعتدها كثيراً في الرواية العربية التي تناولت اليهودي وعلى وجه الخصوص اليهودي الإسرائيلي. سالم ليس شخصاً عدوانياً أو بخيلاً أو جشعاً أو غادراً أو لئيماً أو واشياً أو ناقضاً للعهود والمواثيق كما تظهر الصور النمطية عن اليهود في الأدب العربي الحديث وفي المخيال العربي- الإسلامي على حدٍّ سواء. بالعكس، بطل < اليهودي الحالي> جميل ( بحسب المعنى العامي لكلمة الحالي بالمحكية اليمنية) ومنفتح وغير متمسّك بديانته وبريء إلى حدٍّ كبير. طبعاً هذا الرسم المغاير لبطل الرواية ليس ساذجاً، إذ لا تغفل الرواية الصراع التاريخي القائم ما بين المسلمين واليهود منذ نشوء الإسلام. بالعكس، الرواية التي تتناول مرحلة تاريخية من تاريخ اليمن، تحديداً ما بين الفترة الممتدة من سنة 1054 هجرية الموافقة سنة 1644 ميلادية إلى سنة 1077 هجرية، أي في القرن السابع عشر، هذه الرواية تعكس الصراعات التي كانت تقوم ما بين أتباع الديانتين، مظهرة القمع الذي تعرّض له اليهود آنذاك ولا سيما بعد ظهور شبتاي زيفي الذي ادعى أنه المخلص ما جعل اليهود ينتفضون، الأمر الذي جرَّ عليهم تنكيلاً مبرمجاً من قبل أئمة اليمن الحاكمين أمثال الإمام المتوكل إسماعيل بن القاسم بن محمد والإمام المهدي أحمد بن الحسن….. ومن هذا التنكيل المبرمج الطرد من صنعاء وحرق المنازل وقتل الأرواح وزيادة الجزية وسواها. وفي مقابل هذه العداوة المتبادلة كان تاريخ آخر غير رسمي يجري من غير أن يوثقه أحد: تاريخ العلاقات الفردية ما بين أبناء الديانتين.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة