الإعلام بين المعلومة والموعظة

بالرغم من الانذار المبكر لعالمنا الجليل الدكنور علي الوردي حول، خطورة تورم ظاهرة الوعظ والوعاظ، وتأثيرها السلبي على شرائح واسعة من المجتمع؛ الا ان صرخته الشجاعة والمسؤولة كما غيرها من الاشارات والآراء الحكيمة له ولقافلة العقلاء المهددة بالانقراض، تبددت وسط صخب وضجيج عودة الروح لمؤمياءات التاريخ الغابر. لقد فرخت حقول الوعظ والتدجين المزدهرة على مضاربنا المنكوبة، أجيال جديدة بعد تلقف سدنتها لما فاضت به الثورات العلمية والتقنية من سلع للتواصل والاتصال بين سكان عالم ما يعرف بـ (القرية الكونية) لترتقي بمهنة الوعظ الى ذرى لم تحلم بها من قبل. خاصة بعد انتقال الامانة التاريخية لخير امة والمتجحفلين معها بوعظ واعلام الى ممالك النفط والابل والعجاج والغاز، ولكم في مطبوعات وفضائيات دول الخليج والقناة الاكثر شهرة (الجزيرة) مثالاً سافراً على هذا الخلل العضال.
ما يطلق عليه بـ (الاعلام) في مضاربنا بعيد كل البعد عن المعاني والشحنات الواقعية لهذا المصطلح الذي ولد من رحم الزلزال المعرفي والعلمي والقيمي لمضارب اخرى هجرت كهوف الوعظ والجنجلوتيات والديباجات الخاوية منذ زمن بعيد. هذا الحقل الذي يضع العاملين فيه نصب اعينهم قضية انتشال عيال الله من حقب الجهل والعبودية والظلام، عبر ايصال المعلومة الصحيحة والشجاعة والمنهج العقلي والنقدي لهم، كي يتصدوا لهموم وتحديات عالم مفعم بالحركة والتغيير المتواصل على مختلف الجبهات. وما اندلق من طفح (اعلامي) بعد زوال النظام المباد ربيع عام 2003 مثال آخر على هذا الوباء، والذي حول “السلطة الرابعة” الى حقل تخصيب بين الوعظ وحطام الآيديولوجيات النافقة. نتاج كل ذلك هو ما نشاهده اليوم من ضياع ودروب موصدة أمام سكان هذا الوطن القديم من شتى الرطانات والازياء، حيث تتدافع جماهير “المكونات” الى حتفها وسط طبول وايقاع الاهازيج والاناشيد الحماسية لقبائلها السياسية. مثل هذه النوبات المسعورة لجنون الملل ما كان لها ان تظهر وتتورم بهذا الشكل، لولا هذه الأقدار العاثرة التي مسخت الوسائل الاعلامية الى ضدها النوعي. ان صعود الحركات الاسلاموية بوعاظها ودعاتها ومدوناتها وديباجاتها اللغوية المسكونة بحلم العودة للماضي التليد وفردوسه المفقود، يؤكد فقدان مضاربنا لأحد أكثر الوسائل نجاعة وفاعلية في حماية الافراد والمجتمعات من المسخ والهلوسة والهذيان، الا وهو الاعلام الحر والمستقل والذي يزود المتلقي بالمعلومة والمعرفة المطلوبة للعيش بامن وسلام في هذا العالم الذي اصبح فيه عمر المعلومة بعمر الفراشة كما يقول عالم المستقبليات الفين تافلر.
في نهاية المطاف سندرك جميعاً عاقبة أمرنا بعد هيمنة سدنة الوعظ والثوابت وحدود العالم الآخر على عالم الميديا والمنابر السمعبصرية والورقية والالكترونية، ولن تتوقف الفواتير الباهضة الا بتحرير المعلومة وملحقاتها من سطوة مؤمياءات الوعظ وخطابات الكراهة وشيطنة الآخر المختلف انتصارا للفرقة الناجية. كما ان هذه الآمال لن تتحقق بمعزل عن همة وحيوية وبرنامج شامل للتغيير الفعلي في مختلف الحقول السياسية والاقتصادية والقيمية، والتي ما زالت تغط بسبات تجاوز أهل الكهف بشبخات ضوئية..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة