فن الموت ونحت القيامة

الفن التشكيلي العراقي.. من الجماعة إلى الفرد
فيصل السلطان
مجلة التشكيلي
يعيش الفن التشكيلي العراقي في السنوات الأخيرة مرحلة من الحصار والتشتت والغربة٬ لفرط ما يعاني من الكبت والفقر والحرمان والتشتت. فقد أضحت لقمة العيش خيراً من تأمين مستلزمات المواد المتعلقة بالرسم والنحت والحفر وغيرها من أشكال الفنون الحديثة. فالمهاجرون من العراق يحلمون بها في المنافي العربية والأوروبية والأميركية٬ ونكاد نقول إن جيلاً جديداً من الفنانين الشباب تكّونوا في غربتهم القسرية وانطلقوا في ميادين الفن من مواقع بعيدة وأحرزوا نجاحات باهرة وتأقلموا مع الأجواء الثقافية التي احتضنتهم. غير أن الغربة التي دمغتهم بطابعها قد مّيزت مرحلة ما بعد الحداثة وجعلتها أكثر مرارة واتصالاً بذاكرة الحروب. فالإحساس المتأزم بالواقع الثقافي والفني للعراق٬ يحثنا على البحث عن صورته الجميلة في مرايا الماضي لنستعيد أنواره المشرقة التي غّذت فنوننا العربية في الستينات والسبعينات٬ بزخٍم لا ينسى من الاختبارات والتجارب المتحررة والأصيلة والمحدثة٬ من أجل فّن الموت ونحت القيامة.
فالصورة الحديثة للفن العربي تبلورت من أسئلة جوهرية مستمدة من تجربة الفنان الرائد جواد سليم ومقولته الشهيرة حيال التراث والمعاصرة: «الشك أساس اليقين». أما الطابع العراقي فهو ­ على ما يقول الشاعر بلند الحيدري ­ «لن يتكّون من دون أن يستوعب الفنان الطبيعة العراقية ويحس بصدق ما يحيا وما يموت تحت شمسها». لذا اتسمت تجربة جواد سليم بالقلق والتمرد والبحث عن الجديد وكانت صرخته المدوية «لا تهمني السياسة بقدر الإنسان». فالإنسان يختصر أسطورة الحياة والموت. هو التراث الحي والحقيقي الذي يجمع روح الماضي وسكونه وحكاياته بقلق الحاضر ومتغيراته الفنية والفكرية.

عاصمة التجمعات والاسئلة
لم تكن تلك الصراعات التي ظهرت في الخمسينات سوى انعطاف قوي نحو التعبير الحر عن تحولات العصر المضطرب. هذا الانعطاف تحدث عنه شاكر حسن آل سعيد «بأنه شرع في التحول نحو مرحلة جديدة تتسم بالاعتماد على النفس والبحث عن ملامح الشخصية الحضارية أكثر من ترّسم خطى الغير». ذلك ما أدى إلى ولادة التجمعات الفنية الجديدة أبرزها «جماعة بغداد للفن الحديث» التي عكست في أعمال فنانيها عصر التحولات السياسية المضطربة٬ الممتد من نهاية الحرب العالمية الثانية وثورة عبد الكريم قاسم وبداية الحكم الجمهوري في العراق عام 1958 . وإذا كان فائق حسن قد عّمق الإحساس الإنساني في الفن من طريق رؤيته البدائية٬ فإن جواد سليم أضاف إلى إحساس العراقي المرهف فكره الثقافي. وهذا ما تحقق لدى «جماعة بغداد» حينما بدأوا باستلهام التراث من المعطيات التاريخية والروحية للناس والأمكنة. هكذا بدأنا نرى في بغداديات جواد سليم نوعاً جديداً من التشييد المستلهم من المدينة وبيوتها وأحيائها السكنية وأسرارها الصغيرة الملونة بعمق الإحساس بالزمن والقصص الشعبية الموروثة بكل زخارفها وحكاياتها٬ حتى غدت أعماله محطة تأسيسية داخل حركة الحداثة الفنية في العراق.
في العام 1955 كتب جبرا إبرهيم جبرا البيان الثاني لـ»جماعة بغداد» أكد فيه استلهام المناخ العراقي وتصوير حياة الناس في شكل جديد يحدده إدراكهم وملاحظتهم لحياة هذا البلد الذي ازدهرت فيه حضارات كثيرة واندثرت ثم ازدهرت من جديد٬ وخلق أشكال تضفي على الفن طابعاً خاصاً وشخصية متميزة.
بعد رحيل جواد سليم عام 1961 برزت جماعة الانطباعيين العراقيين التي ضّمت إلى حافظ الدروبي مجموعة من الفنانين الشباب منهم ضياء العزاوي وسعد الطائي٬ الذين حاولوا إيجاد منطلقات جديدة لأطروحات «جماعة بغداد». فقد حاول العزاوي أن يرسم مدفوعاً بحسه الآثاري بحثا عن مخبأ الكنوز الحضارية. هذا الإحساس دفعه لاحقاً الى اكتشاف طاقات الحرف العربي٬ فمزج المفردات والرموز الشعبية والفولكلورية في محيط من الفراغ اللوني الذي يجمع بين الخوف والعشق والفرح والألم. يتذكر ضياء العزاوي منطلقات جماعة الانطباعيين فيقول: «لم تكن دعوة حافظ الدروبي واضحة في معرفتها الفنية٬ فسرعان ما تحّول هذا التجمع نحو أبحاث شخصية توزعت بين التجريد والتكعيب وحساسية الألوان الانطباعية».
العودة إلى الجذور ظلت الركيزة الأولى في حداثة الفن العراقي وفي إنجاب مزيد من التجمعات الفنية الجديدة منها: «جماعة المجددين» عام 1965 و»جماعة الزاوية» و»جماعة الرؤية الجديدة» عام .1969 عّبرت جميعها عن خيبات المرحلة العربية وتمزقاتها وظلالها المرعبة إثر هزيمة عام ٬1967 فبدت أعمال كاظم حيدر تؤالف بين المضمون الدرامي والتقنيات اللونية٬ واتجهت لغة عامر العبيدي إلى تكاوين تجريدية تتبدى كمتاريس ودروع حديدية مرصوصة ومتداخلة في تكاتف يضج بصهيل الخيل وقعقعة السلاح٬ بينما أخذت مشاهد علي طالب تميل إلى محاورة أعماق النفس بأبعادها الدرامية الشبيهة بمسرح اللامعقول. في تلك الحقبة اتجهت أعمال ضياء العزاوي إلى مزيد من التعبيرية الخطية واللونية في تجسيد الكتل الإنسانية على هيئة رؤوس حجرية قديمة تضج بالصراخ.
من هذا التمرد بالذات خرج الفن العراقي ليستقطب آفاق التجارب العربية وتطلعاتها في مرحلة السبعينات. فاحتضنت التراث كمخزون بصري ذي مقّومات عصرية مليئة بالدهشة والرؤى المحدثة. فالبيان الشعري الصادر عن «جماعة الرؤية الجديدة» يقول: «إننا ننظر إلى التراث كملهم للروح٬ لا كقيد يشد أرجلنا إلى الماضي. وإذا كان الإنسان العربي وليد الماضي فإن الماضي لم يعد موجوداً إلا كذكرى في الرأس عبر كثافة الحاضر وقوة التطلع نحو المستقبل».
من ابرز مظاهر فن مرحلة ما بعد الحداثة هو غياب التجمعات وظهور التجارب الفردية التي باتت تخاطب أشكالا جديدة مختلفة عن مفهوم تنوع التقنيات الى معضلة السطح التصويري والفضاء والابعاد٬ إلا أن ثمة جذوراً للحقبة البغدادية الجميلة إذا صح التعبير مثل جذوة تحت رماد٬ تشتعل بين وقت وآخر تتمظهر لدى أسماء تطرح نفسها بقوة في المعارض الدولية٬ أمثال مهدي مطشر ونعمان هادي في فرنسا وإيمان عبد الله وصادق قواش الفراجي في ألمانيا وسلام خضر في إنكلترا٬ فضلاً عن الفنانين العراقيين المقيمين بأعداد هائلة في دول الخليج العربي وخصوصاً في قطر وعمان.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة