هل تعتذر الضحية للجلاّد يوماً؟

سلام مكي
كاتب عراقي
منذ تبيان ملامح النظام السياسي الجديد، والكشف عن فلسفة النخب السياسية الحاكمة، وطريقتها في ادارة الدولة، والاخطاء الفادحة التي رافقت عملها، منذ الايام الاولى لأول حكومة مؤقتة، الى آخر يوم في عمر الحكومة الحالية، والتي يراد اخضاعها لعملية ترميم وتجميل، بغية الخروج بمظهر لائق، امام الشعب والعالم، منذ ان عرفت بعض النخب الثقافية والسياسية، تلك الأمور، حتى بدأت المقارنة بين النظام السابق والنظام الحالي، بين حكم صدام، وحكم الاحزاب الحالية. في السابق، كنا نلاحظ يومياً، بوستات لكتاب ومثقفين، محسوبين على النظام السابق، كيف انهم يمجدون بطريقة ضمنية نظام صدام، ويدعون العراقيين الى المقارنة بين الفوضى الحالية وبين النظام سابقا! اليوم، نجد شخصيات غير محسوبة على النظام السابق، تعقد مقارنات بين النظامين، مقارنات، يراد من خلالها القول للعراقيين: عليكم الاعتذار من صدام! لقد ظلمتموه؟ لقد كان رجل دولة، رجلا لكل العراقيين.
وبفقده، فقدتم بلدكم، وشرفكم وكرامتكم! آخر منشور قرأته، يتحدث عن محاسن صدام، التي لم يعثر حسب فهمه، على نظائر لها في هذا النظام، لذا انتقل الى مساوئه، وقارن بينها وبين مساوئ النظام الحالي، علماً ان المنشور ينسب لرجل دين، شيعي. فهو يذكر على سبيل التهكم، قتل اسماء محددة، منها محمد باقر الصدر ومحمد باقر الحكيم، وضرب الشعب بالمدفعية والحصار، ثم يختم مساوئ صدام، برواية تقول ان امرأة عراقية رفعت عملة صدام، لتهتف: صدام خلافك ذلينا! ليسمع بها الطاغية ويمنح العفو لجميع الهاربين من جحيمه! ثم يجتهد الكاتب، ويجهد نفسه كثيراً في استخراج الافكار والمصطلحات التي من شأنها تجميل الوجه المسخ للنظام السابق، حتى يخرج للقارئ، بشكل اكثر جمالا من وجه النظام الحالي!.
يحاول ان يستعمل ما جاد به قلمه من مساحيق فكرية، وسفسطة فارغة، لمنح صدام الحق في ما فعله، من اجل ادانة النظام الحالي.
ولا اتصور ان هذا المنشور سيكون الأخير، وسوف نشهد في مقبل الايام اتساع حالة المقارنة بين الاثنين، كمحاولة لاعادة البعث والفكر الصدامي الى الواجهة من جديد، واستثمار الفشل المزمن للنخب الحاكمة الحالية. ربما سنشهد تيارات فكرية، يقودها مثقفون ورجال دين، وحتى منابر للجمع، تعلن عن مظلومية صدام ونظامه، وتقارن بين اسماء وزرائه ووزراء هذا النظام، لتقول للناس: وزراء صدام افضل من وزراء ديمقراطيتكم! .
سنشهد حملات في مواقع التواصل الاجتماعي، تطالب العراقيين بالاعتذار من صدام، والسعي، لتبرئته من التهم الموجهة اليه، والتسليم بأن ضحاياه مجرمون، يستحقون القتل! وسنشهد، تيارات شعبية عراقية على غرار الشعوب العربية، التي تعشق صداما.
وبرغم كل هذا التشاؤم، مازلت انتظر بروز مثقف، حقيقي، يملك اسماً رصيناً ويشغل حيزاً شاسعاً في الثقافة العراقية، يخرج لكل من يريد اعادة الروح في جثة نظام صدام، عبر ادانة النظام الحالي، ان يقول للجميع: ادانة الفوضى، تتم عبر المرور على جثة الاستبداد، وصولا الى الحرية المسؤولة، والفرد الملتزم، وليس الركون الى الاستبداد.
بديل الفوضى، الحرية، والدولة المدنية، دولة المؤسسات والقانون، وليس الاستبداد والقمع والقتل. الشعب العراقي ليس شعباً بدائياً، وليس منقادا لهذه الدرجة حتى يمكن خداعه بأن بديل هذه الفوضى هو الدكتاتور او فكره المتطرف.
الشعب العراقي كله ضحية لصدام ونظامه. ولا نعلم، كيف يمكن لعاقل، او لديه ضمير انساني، ان يطالب الضحية، ان تعتذر لجلادها، برغم انه لم يقف بوجه ذلك الجلاد، بل جاء رجل غريب وقتله. المعمم صاحب المنشور، يتساءل: هل سنعتذر لصدام يوماً ما؟ ثم يقارن بين اسماء وزراء بعينهم، ليرينا ان الافضل هو صدام، لذلك يجب ان نقولها لبقايا البعثيين: لقد كان صدامكم على حق ونحن على خطأ! نعم، هذا النظام هو فوضوي، لا ملامح للدولة فيه، نظام، لم يحقق شيئاً للعراقيين، أسهم بخراب ما تبقى من العراق والعراقيين، أسهم بقتل من افلت من آلة صدام الدموية، وهدم ما تبقى من عمران وبناء، أسهم بجفاف الروح الوطنية التي اوصلها صدام الى القاع، أسهم بقطع الصلة نهائياً بين الوطن والمواطن، لكن: ليس من الاخلاق والمنطق والشرع، ان نحارب هذا النظام، عبر العودة الى الحديد والنار! ليس من الحكمة ان نعود الى الوراء، لنحافظ على قطرات الوطنية وبقايا الاحجار. بل يجب ان نسير الى الامام، لنملأ الجسد العراقي بالوطنية، ونبني ما تهدم، نتقدم الى الامام تاركين خلفنا، الفوضى والحديد والنار، الى فسحة الحرية التي تليق بالانسان العصري، الانسان الحقيقي.
العراقيون ليسوا اسوأ من مواطني البلدان الأخرى، حتى يخيرون بين الموت والموت! فهم يملكون القرار والارض والمصير. لكن: الرد الحاسم على هذه الفئات التي تحن الى العبودية، هو الوعي والادراك وان عليهم قتل صدام وفكره عبر انتخاب رجال دولة حقيقيين، عليهم ان يدركوا ان تأثرهم من صدام ونظامه، يتم عبر انتخابهم للشخصيات النزيهة والكفؤة، وتجاوز الانتخاب على اساس طائفي وعشائري، وترك ما جربوه عقداً كاملا من دون ان يحقق شيئاً. او السماح لصدام ان يعود مجدداً، ولكن بثوب شعبي وثقافي، وسياسي.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة