أحزاب اكسباير

مع مثل هذه المتاهة التي يتخبط وسط امواجها الصاخبة سكان أقدم الاوطان، نحاول ان نساعد صرخة سقراط المشهورة (اعرف نفسك) بالتسلل لمضاربنا بعد اكثر من الف عام من الهلوسة واليباب، وهذه المرة بصيغة معدلة تتماشى ونوع التحديات الراهنة، الا وهي (اعرف حزبك) قبل ان ترمي الآخرين بحجر التغيير والنقد والاصلاح. لقد بحت اصواتنا واحبارنا ونحن نصرخ وسط هذه العتمة؛ بمشهد عري “الاحزاب” الحالية بشتى اشكالها ويافاطاتها السلفية أو الحداثوية، وبغربتها عن ابسط متطلبات عصرها، فالاحزاب القومية من مختلف الرطانات والازياء قد خلفت وراءها فواتير ستظل الاجيال المقبلة مرغمة على تسديدها لوقت طويل، كما الاحزاب الشيوعية والبسارية الراديكالية قد انتهت صلاحيتها مع بيروسترويكا غورباتشوف، أما الاحزاب الدينية والاسلاموية فقد أدهشت العالم كله بعنفوانها وحماستها لاسترداد فردوس الاسلاف المفقود، عبر أكثر الممارسات همجية واحتقاراً لما يسمونه “عيال الله”؟
نعرف جيداً ان الغالبية العظمى من شركاءنا في هذا الوطن المنكوب؛ فرحون بما لديهم من “احزاب” وتيارات وكتل، وهم لذلك لن يصغوا لصرخاتنا لهم بالكف عن التعويل على مثل هذه الملاذات القاتلة. لكننا لن نكف عن سبيلنا هذا وتحذيرنا المستمر لهم لا بعدم جدوى التعويل على مثل هذه “الاحزاب والزعامات” وحسب، بل الى القادم الأخطر من السيناريوهات والكوارث، ان لم يغيروا ما لديهم من احزاب وعدة صدئة انتهت صلاحيتها منذ زمن بعيد. وما الفزعات المتتابعة لامتطاء صهوة “التغيير والاصلاح” الا وجه آخر على عجز وافلاس هذه الاحزاب، عن مجارات متطلبات الحياة التي جعلت من عمر المعلومة أقرب الى عمر الفراشة. قبل ان يتلقفوا بيارغ الثورة والاصلاح، عليهم الالتفات قليلاً الى “اصطبلات اوجياس” الخاصة بهم، ومن ثم تكليف “هرقلهم” المحلي للنهوض بمثل هذه المهمات الاسطورية.
كما ان الاستمرار على تقسيم العالم والاشياء الى فسطاطين ومعسكرين للحق والباطل والاعتصام بمثل هذه المسطرة، التي هجرتها الامم التي وصلت لسن التكليف الحضاري، لن يضيف لمسيرتنا المرصعة بالخيبات الا المزيد منها، خاصة مع جفاف عصر البطرنة (حقبة النفط والغاز) والتي سمحت لعصابات ومخلوقات كالجرذ الذي انتشل مذعوراً من جحره الأخير؛ لبسط هيمنته المطلقة على مصائر هذا الوطن القديم. لم يعد الوقت والامكانات الشحيحة كافية لتمويل فزعات اضافية من “البطرنة” والتجارب الشعبوية البليدة، كما ان طريق جهنم كما يقول العقلاء معبد بالشعارات الجميلة والرومانطقية مقطوعة الجذور. وفي مشهدنا الراهن يصعب العثور على قوى او كتل أو شخصيات لا تدعي وقوفها الى جانب مشروع التغيير والاصلاح، غير ان هذا الانحياز مشروط بعدم تقرب مثل هذه الغايات المارقة من اقطاعياتهم السياسية الخاصة. ومثل هذه الحقيقة الفاقعة لا تحتاج الى جهد كبير كي يطلع عليها المتابع المنصف لتطور الاحداث في العراق منذ زوال جمهورية الخوف الى فزعة الاصلاح والتكنوقراط الأخيرة. ان شرط التغيير الحقيقي والوحيد يكمن؛ في حصول تصدعات جذرية في المجتمع العراقي وتطلعاته، تصدعات تعصف اولاً بركام الاحزاب هذه وزعاماتها ومشاريعها الفنطازية والمتناشزة وابسط متطلبات الحياة الاقتصادية والقيمية والسياسية. ان التعويل على من لم يتجرأ على القاء نظرة عابرة عما يمتلكه حزبه من بضائع كاسدة ومنخورة؛ في مهمة النهوض باصلاح الآخرين ومواجهة اخطبوط الفساد، يعني اننا قد ولجنا الى أطوار لا يسبر غورها حتى الراسخون بفقه جنون الملل.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة