عمر سيف الدين.. عسكري خدم تركيا على جبهتين

أبو القصة التركيّة الحديثة
الصباح الجديد

بِلُغَةٍ بسيطة، صافية، ومباشرة؛ كتب قصصه، توجه بمشاعره إلى الناس، وإلى المشكلات الاجتماعية. وحرص على تبسيط اللغة التركية، وتنقيتها من الغريب والدخيل؛ إنه أحد أهم روّاد الأدب التركي الحديث، ومؤسس فن السرد القصصي الحديث.
عمر سيف الدين حتيقوه (1884 – 1920) الذي ولد في «كونان»، على شواطئ بحر مرمرة، شمال غرب الأناضول. أحب أن يكون عسكرياً كأبيه، فارتاد المدرسة العسكرية بـ»إدرنة». تخرّج عام 1903 برتبة ملازم مشاة من مدرسة إسطنبول الحربية. لكنه ترك الجيش بعد أداء مهامه العسكرية في إقليم روميليا. ومن ثم بدأت حياته الأدبية. لكنه أجبر على ترك الكتابة مؤقتاً، والتحق مجدداً بالجيش مع اندلاع الحرب التركية-الإيطالية (1911 – 1912). ثم شارك في حرب البلقان الأولى (1912)، ووقع خلالها في الأسر. وأثناء أسره لم يكف عن الكتابة، فكتب حينها حكايات (المهدي)، و(رايات الحريّة). وعند إطلاق سراحه عاد إلى إسطنبول وترك الجيش. وقام بتدريس الآداب في ثانوية «قاباطاش» بإسطنبول عام 1914، واشتغل معلّماً حتى وفاته عام 1920.
عاش عمر سيف الدين ستة وثلاثين عاماً فقط، أمضى منها نحو ثماني سنوات في الكتابة الأدبية، وخلال هذه السنوات القليلة أصدر 150 أثراً مكتوباً، اشتملت على الكثير من القصص والروايات والترجمات العالمية، وفي مقدمتها (الأوديسة) لهوميروس. وفي بداية حياته الأدبية شرع سيف الدين في إصدار ونشر كتاباته بمجلة (كنج قلملر) (أقلام شابة)، وبجريدة (روميلي) الصادرتين في مدينة «سيلانيك»، حالياً (سالونيك) في اليونان. ففي عام 1911 شارك كل من ضياء غوك ألب، وعلي جانب يونتام في إصدار مجلة (أقلام شابة)، وجاءت بديلاً لجريدة (الجمال والشعر). وكان سبب تغيير اسمها معروضاً في عددها الأول: (نعم، إن هيئة التحرير هي الشباب الذين عرفتموهم من قبل، هم يعتقدون أن اسم (الجمال والشعر) يرتبط بالمضمون المتعلق بالمشاعر فقط. يتبوأ النتاج الفكري في جريدتنا مكانة أوسع من دلالة معنى الجمال والشعر). بناء على هذا غيروا اسم الرسالة، وأسموها (الأقلام الشابة). أما المقالة المعنونة (لغة جديدة) والمنشورة دون توقيع في هذا العدد الأول فكتبها عمر سيف الدين. وجاءت لتدافع عن تأصيل اللغة القومية وضرورتها قبل تكوين أدب قومي. وتستمر مقالات الأعداد تحت هذا العنوان (لغة جديدة). واعتباراً من العدد الخامس وضع توقيع «هيئة تحرير الأقلام الشابة» مكان إشارة الاستفهام.
وتعتبر (أقلام شابة) فاتحة لتيار الأدب الوطني التركي. وتمكن هذا التيار خلال فترة قصيرة من جذب أدباء وفنانين من مختلف التوجهات ممّن ولعوا به. وتميزت النتاجات الأدبية له بنقاء لغتها التركية وبساطتها، واختيار الموضوعات الجديدة، والاستفادة من أشكال الأدب والشعر الشعبي، ومعالجتها القضايا المهمة، وإظهار القيم الوطنية. وبعكس من سبقوهم، تخطى كتّاب القصة والرواية المنتمون لهذا التيار، حدود إسطنبول لينفتحوا على جهات البلاد الأربع، متناولين حياة الناس من كل الفئات، بل حياة الشعب بكامله.

رائد تيار الأدب الوطني التركي
يعتبر عمر سيف الدين النموذج الأكثر تمثيلاً لتيار الأدب الوطني التركي، ففي أقاصيصه (نحو 125 قصة) تتمظهر تلكم اللغة الصافية، السلسلة، المباشرة للشعب التركي، ومشكلات الحياة اليومية والاجتماعية. وفي مناخ من المتعة والبهجة؛ تصف كتاباته الأدبية المتأثرة بأسلوب موباسان: المفاهيم، والقيم، والعادات التركية؛ وصفاً دقيقاً. وبرز اسمه أديباً تركياً يكتب بعذوبة كتابات حكيمة، وينظم أشعاراً جميلة. ولقد تناول في قصصه موضوعات شتى أهمها: مرحلة التغريب في تركيا، وعنف حرب البلقان ومعاناة المدنيين فيها، وهجرة الجالية التركية من بلدان البلقان وبؤسهم جراء الحروب، ووضع الأسرة التركية في بداية القرن العشرين، وحياة الناس ونظراتهم الواقعية، وتناقضاتهم الاجتماعية.
ومن بين أهم أعماله: (أصحاب كهفنا)، و(الربيع والفراشة)، و(حكاية الشوارب)، و(المعبد السري)، و(القصر المسكون)، و(القنبلة)، و(وردة التوليب البيضاء)، و(العقد)، و(الأشجار اليابسة)، و(صوت الأذان)، و(اللقمة)، و(البعوض)، و(الديك)، و(المجنون)، و(دينيز)، و(الحريم)، و(الشعر الأبيض)، و(الشعب النبيل)، و(تجارب الخجل)، و(الإخوة )، و(النطاق)، و(الإعجاب وغيرها. وقد تُرجمت العديد من رواياته إلى اللغات الأوروبية.
لا شك أن تطور القصة والرواية التركية قد اكتسب مكانة مع الجيل الذي وُلد قبل إعلان الجمهورية. وكان ظهور جيل جديد من أولاد الريف المتعلمين «نقلة نوعية»، حيث أضاف مبدعوهم إلى الأدب الكثير. وهكذا صور الأدب التركي الحديث حياة الناس في القرى والمدن، بكل مشكلاتها، وتناقضاتها، وصعوباتها، ورغباتها، وطموحاتها الاقتصادية والاجتماعية. وهل يحيد فن السرد عن ذلك؟ ولم يتوان عمر سيف الدين خلال مشوار عمره القصير عن خدمة وطنه، وأمته بكل إمكاناته. ولم يكِلّ قلمه عن الإنتاج الأدبي ذي الرؤية المتميّزة الذي بوأه مكانة رفيعة بوصفه أحد أهم رواد القصة في تركيا الحديثة. وتكريماً لجهوده تلك وضعت صورته على طابع بريدي تركي.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة