الأخبار العاجلة

أحاديث الثلاثاء

سلسلة من المقالات نشرها الكاتب عطا عبد الوهاب في كتاب تحت عنوان “أحاديث الثلاثاء”، وكانت هذه المقالات ثمرة أطروحات لكتاب ومثقفين عراقيين كانوا قد شاركوا في ندوات أقامها المؤلف في داره في عمان منذ أوائل نيسان عام 2009، ونظراً لأهمية الطروحات ارتأينا أن ننشرها في “الصباح الجديد” في سلسلة حلقات بعد الاتفاق مع المؤلف.
الخاتون.. مس بيل في العراق
القسم الخامس
نجدة فتحي صفوة
‏ويبدو أن إقامة غيرترود بيل الطويلة المتواصلة في بغداد قد جعلتها أكثر تفهما للأمور، وأحدثت تغييرا كبيرا في أرائها عن القومية العربية ومستقبل العراق السياسي . ولو قارنا بين كتاباتها المبكرة ومواقفها الأخيرة، لو جدنا التطور في آرائها واضحا. فهي حتى سنة 1919 كانت تعتقد أن ليست هنالك في الشرق الأوسط عقائد وطنية، ولا روابط قومية. فقد كتبت مثلاً في كتابها “الصحراء والمعمورة” الذي نشر في سنة 1907 تقول أن الجمعيات التي تدعو إلى الوحدة العربية، ومنشوراتها الحماسية، لا قيمة لها مطلقا، لأنه ليست هنالك أمة عربية . . “فالتجار السوريون يفصلهم عن البدو برزخ أوسع من ذلك الذي يفصلهم عن العثمانيين . والبلاد السورية تقطنها أقوام تتكلم العربية، ولكن هم كل منها هو أن تمسك بخناق أخرى”.
‏ولما زارت الشرق للمرة الثانية بعد إعلان الدستور العثماني، وتولي حزب “الاتحاد والترقي” زمام الحكم في الدولة العثمانية، دونت ملاحظاتها في كتابها “من مراد إلى مراد” الذي صدر في سنة 1911 فأشارت إلى مرورها بالموصل، ووصفت الاضطرابات التي حدثت فيها خلال الثورة التي جاءت بالاتحاديين إلى الحكم، قائلة إن الحكم العثماني هو أفضل حكم بالنسبة للطوائف المتعددة والمتناحرة في المنطقة .
‏وفي إحدى رسائلها إلى أبيها في سنة 1918 كتبت تقول أن العراقيين يريدون الإنكليز ولا يريدون غيرهم “لأنهم يعلمون أننا سنحكم حسب عادات البلاد، ويدركون أن نصب أمير عربي أمر مستحيل” .
‏وفي مؤتمر الصلح في باريس، حينما استدعيت مع الكرنل ويلسن إلى باريس لتقدم المشورة للوفد البريطاني إلى المؤتمر، نصحت الأمير فيصل- الذي كان مندوبا عن الحجاز في المؤتمر- أن يتفق مع الفرنسيين بشأن سورية، وأن يتقرب إليهم “لأن الأميركيين لا يمكنهم أن يعاونوهم، والإنكليز لا يريدون أن يتدخلوا في شؤون سورية .
‏ويروي رستم حيدر الذي كان المندوب الثاني للحجاز في المؤتمر بمعية فيصل، والذي حضر اجتماعاتها به “في مذكراته التي حققتها ونشرتها في سنة 1989، أنه استغرب قولها هذا، واستفسر من الدكتور أحمد قدري الذي كان معهم . هل مس بيل يهودية؟ قال: لا، قلت إذن هي مشتراة من الفرنسيين، أو أنها عشقت أحد ظرفائهم، وهي تميل إلى الاستعمار المطلق في الشرق . كما أن الكولونيل الذي يحكم في بغداد، مليكة الشرق، لا يريد للجنة كينغ – كراين أن تذهب لترى أعماله فيها، وهو لا يريد أن يجعل للأهالي صوتا مرتفعا بل يريد هم كالأغنام، لأن هذا لا يوافق أفكاره الاستعمارية . ولنعلم أن الحزب الاستعماري المستبد الذي يتألف من أمثال هؤلاء الملوك في المستعمرات، الصعاليك في بلادهم، هو حزب كبير لا يستهان بمطامعه يريد الاستبداد لأنه هو الحاكم . ومس بيل معاونته، لا ترى رأيا غير رأيه” .
‏ ويذكر رستم حيدر في مذكراته أيضًا أنه اجتمع مساء اليوم نفسه بلورنس ونقل آراء غير ترود بيل، فتال له لورنس: “إن مس بيل عقلها صفير، ولميس لقولها اهمية‏ تذكر، وأما الكولونيل (ويلسن) فليس من رأيها تمامًا، على أنه حاكم في بغداد، ويريد أن يحتفظ بموقعه”.
‏ إن ما ذكرنا، من قدرة مس بيل على لمتكيف السريع مع الظروف المتغيرة، جعلها شفير كثيرا من أراثها بسرعة. وفي حين أن ويلسن بقي مصراً على عدم الاعتراف بأن ‏الشعور الوطني في العراق قوة يجب أن يحسب حسابها ” ويجب التعاون معها بدلا من محاولة كبتها، ‏فإن مس بيل أدركت في النهاية أنه يجب، على الأقل، ‏الاعتراف بحقيقة واحدة، وهي أن الناس يفضلون أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم، ولو من دون كفاءة، على أن يحكمهم غيرهم بكفاءة عالية”.
‏وكتبت في احد رسائلها من بغداد فيما بعد :
“إن ما أتمنى أن يقوم به السير برمي كوكس هو أن يعطي مواطني هذا البلد ‏مسؤولية واسعة ، فهي الطريقة الوحيدة لجعلهم يعرفون أية مهمة صعبة هي الحكم .
‏”إننا إذ نشجن هذا الكائن الحي على النمو، وتجس نبضاته في أيدينا، لا ‏تستطيع أن نحول من دون نموه وارتفاعه . . . ”
‏وفي رسالة كتبتها إلى المستر “بومان” الذي كان مديراً للمعارف في العراق في ‏عهد الاحتلال، ثم انتقل إلى عمل مماثل في القدس قارنت بين سياسة بريطانية
‏في فلسطين (بإدارة هربرت صموئيل) وسياستها في العراق قائلة :
‏” انني لن أقبل، ولو أعطيت الدنية كلها، أن أعمل في تلك السكرتاريا (تريد سكرتارية ‏ حكومة فلسطين) إذ أن مهمتنا في العراق مهما كانت عسيرة فإننا على الأقل نسير مع التيار الموجود، وهو التيار الوطني، والذي هو، على أي حال، الحركة الوحيدة الظاهرة، في حين أنكح (في فلسطين) كما يبدو لي، مضطرون إلى السير في عكس التيار”.
‏ولم تكن أفكار غيرترود بيل حول ضرورة الاعتراف بواح الشعور الوطني قاصرا ‏على العراق وحده، وإنما كانت أراءها في مستقبل فلسطين لا تقل عنها وضوحاً جاء في رسالة كتبتها من بغداد في مطلع سنة 1918، وبعد إعلان تصريح بلفور، تقول:
‏”. . . وبالمناسبة، فإنني أكره التصريح الصهيوني للمستر بلفور حول سوريا (وهي ‏ترد سورية بالمعنى الجغرافي، الذي كان يشمل سورية ولبنان وفلسطين) وأؤمن بأنه لا يمكن تحقيقه. فالبلاد عورة عامة لا تملح للأهداف التي ينكر فيها اليهود. إنها أرض فقيرة، غير قابلة لتنمية كبيرة، وثلة سكانها على الأقل هم العرب الملمين الذين ينظرون إلى اليهود باحتقار. وهو في رأيي مشروع سطع كليا، ‏بعيد عن أية علاقة بالواقع ، وأني أتمنى له الفشل الذي يستحقه والذي سيناله فيما أتصور . . .” .
‏وفي مناسبة لاحقة كتبت إلى أبيها (في 10/10/1920) تقول :
” ‏. . .لننتقل الآن إلى منطقة أخرى من مناطق الانتداب. فلسطين. إن نفى المبادئ العامة يجب أذ تنطبق عليها. ومع ذلك فإن هربرت صموئيل خلال الشهرين الماضيين، أسس في فلسطين حكومة بريطانية ذات مستشارين عرب. وهو يفعل ذلك لأن تأسيس أي نوع من المليشيات الوطنية ذات الطابع المستقل سيؤدي إلى رفض الصهيونية – ولكن أليس هذا شجبا كافيا للصهيونية؟ إني شخصيا أعتقد بذلك، وأومن أنه في وقت ما، وربما بمساعدة مصر، ستنفض فلسطين عنها نير الصهيونية. وستكون الغلطة غلطتنا، لا نه إذا كان هنالك درس أتاح لنا العراق فرصة تعلمه ، فهو أنك لا تستطيع أن تدافع عن أمر، وتفعل غير” .
‏عملت غيرترود مع ويلسن بانسجام في البداية، ولما صدر التصريح البريطاني الفرنسي حول مستقبل البلاد العربية، عارضه ويلسن بشدة وأبرق إلى الحكومة البريطانية، قائلاً .
‏”إذ تعيين أمير (عربي) في الوقت الحاضر ليس عمليا، وأمر غير مرغوب فيه. ولا أعلم فيما إذا كان مثل هذا التعيين يعد التزاما ضرورياً بالنسبة إلى التصريح الصادر في 8 ‏نوفمبر1918، فإذا كان الأمر كذلك فإنني أتوقع أن يكون النهج الذي اختارته حكومة جلالته لهذا البلد شائكاً . . ‏” .
‏ويقول ويلسن أن مس بيل طلبت إليه أذ يبلغ وزير المستعمرات أنها تتفق في الرأي مع ما جاء في هذه البرقية وجميع البرقيات التي أرسلت حتى نلك الوقت حول هذا الموضوع .
‏ولكن على الرغم من هذا الانسجام المبدئي بدأت بوادر الخلاف تظهر في رسائل مس بيل الى والديها .
‏وكانت قد مرت سنة كاملة تقريباً بين توقيع معاهدة فرساي وتوزع الانتدابيات في مؤتمر سان ريمو في نيسان (إبريل) 1920، ولم تصدر عن المقيمية البريطانية خلال سنة 1919 أية تصريحات واضحة عن السياسة التي تعتزم بريطانية انتاجها في العراق. وظهرت بوادر عدم ارتياح شديد فيه بسبب استمرار الاحتلال العسكري من، جهة، وقيام دولة عربية مستقلة في سورية، من جهة أخرى . إذ لم يرتح العراقيون حين رأوا أك السوريين عدوا قادرين على حكم أنفهم، في حين كانوا هم – في نظر الحلفاء- غير أهل لذلك .
‏وفي أواخر سنة 1919 قامت مس بيل بزيارة إلى سورية، وقابلت هناك عددا من ‏العراقيين الذين يشغلون مناصب مهمة في حكومتها، أبرزهم ياسين الهاشمي. ويبدوا انها تعرفت هناك للمرة الأولى على نوع الحكومة التي يريدها العراقيون الذين يعملون مع فيصل في دمشق . وقدمت لدى عودتها تقريرا من أهم تقاريرها بعنوان “سورية في أكتوبر 1919” غطى مقابلاتها ومباحثاتها خلال زيارتها. وقد ختمته بوصف الفوضى وسوء الادارة السائدين في سوريا خلال حكم فيصل .
‏ولكنها مع ذلك لم تشجب قيام حكم وطني قبل أوانه، بل بررت ذلك الوضع بأنه كا‏ن “ضرورة تاريخية” لا بد لبريطانية من مواجهة مثله وقبوله في العراق أيضاً : قالت: “حينما نؤسس إدارة مدنية في هذه البلاد (أي في العراق) فإن وجود حكومة وطنية في سوريا منذ سنة أمر لن ينساه الوطنيون العراقيون”.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة