مقهى خمبابا

علي لفته سعيد

وجدته منكفئاً على نفسه.. كمن يعيش عزلة من هزلت عضلاته واندثرت قوته وغاب عنه صوته الجهوري.. لم يكن ينظر لي بشيءٍ من الدهشة، رغم أن كل ما عندي مخالف لما عنده.. هو من عمق الزمن والأوراق وأنا من حاضر الزمن الموبوء بالموت.. كنت شغوفاً للبحث عن أسرار الملحمة التي أخذت تطاردني منذ أن طلب مني صديقي قراءتها بشكلٍ مغاير.. هناك حدوتةٌ حواريةٌ وهناك لغةٌ مفعمةٌ بالتأمل.. ولكن الشخوص الذين أخذوا يخرجون لي واحداً واحداً كأنهم يحاورنني أو أنا من خرج لهم الى عصرهم لأحاورهم.. أتأمل في ملامح الوجوه التي تعبّر عن عصرٍ مملوءٍ بالأساطير.. محاولاً رؤية كل هذا الألق الذي توّجته الملحمة لكي يكون الحرف مخلداً لها، منظراً لحالها متوّجاً لقدرتها على البلاغة وصنع الجمال.. فأجد نفسي أجلس قبالة خمبابا الذي تسبّب بموت أمه بعد ولادته.. كأنه نذير شؤمٍ تحول الى عنصرٍ مخيف في مسلسل الحياة.
وضعت رأسي على حافة مسند مصنوع من خشب الصاج له رائحة شجرة تخرج من جوانبها عطور احتراق، ذكرتني برائحة سيكارة مطعّمةٍ بالتفاح..أوقدت واحدةً منها ورحت في عالمٍ آخر من التفكير بما يؤول إليه الصراع عادةً بين القوى المتحاربة، سواء ما قبل التأريخ أو عبره الممتد حتى الوقت الحاضر.. ربما لم يكن السؤال جديداً عليّ كلما وغلت في خاصرة التأريخ وما نقرأ عنه ومنه وفيه من صراعات بدأت بالقتل ولن تنتهي إلّا بالقتل، ولكن لم تزل الإجابة غير ناضجة.
لكن صورته تبادرت لي لحظة خرجت من كومة دخان سيكارة نفثته فوق رأسي.. رأيته مرتخياً في كلّ شيءٍ، وليس ذاك التي قرأت عنه، من أنه كان قزماً قصيراً ومتيناً ..(ذراعاه قصيرتان وقويتان كالحديد، صقلهما بممارسته لفنون الصيد ومطاردة الوحوش والسعالي والثعابين، أنفه أفطس ولحيته كثّة وخشنة، تصلح لجلف الصحون وتنعيم الجدران ، بذقنه الطويلة استطاع ان يصرع جمجم افندي ويحشوا فمه بالشعر، وبخشونته المعهودة استطاع ترويض ثلاث قزمات من ثلاثة اصناف، ليصبحن زوجاته رغماً عن أنف المحارب والصيّاد والساحر والمزارع وصاحب المواشي فهو كما تعرفون لا يعطي حتى الخرا …)حين أيقظته من سباته العميق لم يفعل شيئاً سوى أنه تثاءب وأطلق من بطنه ريحاً,, كان له صوتٌ قويٌّ يشبه زئير أسدٍ أكل لتوّه نطيحةً كاملة.. ثم عاد ووضع رأسه على ذراعه القصيرة ونام، فاتحاً فمه كمن يريدني ألّا أوقظه من جديد.. كيف لي أن استفزه ليستيقظ.. أريده أن يدلّني على طريقةٍ استخلصها من خسارته لكي أدافع عن حياتي التي صارت أشبه بغابةٍ مملوءةٍ بالموت والقتل والخطف والحروب.. أحاول أن أدمج كلّ ما حصل في دهاليز التأريخ ممتعاً سيره بهدوء العتبة الأولى التي وهبتني كل هذا الخوف.. أريد ان أطابق بين فكرةٍ بزغت في رأسي من أن التاريخ أعور وما وصلني من رؤيةٍ لم تخلق من مشهدٍ كاملٍ، بل جزءٌ منه تحول الى مأساةٍ متناسلة.. ربما لا يسبق زمن خمبابا في بؤرة الدم غير زمن قتل قابيل لهابيل وذاك كما قال صديقي المؤرخ أنه زمن المعرفة الأولى وهو زمن النصّ المقدّس.. فلا قِبَل لي بعدها في مناقشة الخنوع الذي أسبلنا فيه لتعشش مأساتنا في لحم العمر الذي يتناسل من ظهرٍ الى ظهر.
خمبابا النائم لم ينظر الى الكتاب الذي بين يدي وكأنه يخفي جروحه الذي نبتت في جسده ولا يريدني أن أطلع عليها وكأن مفهوماً في رأسه، إن ما حصل في زمنه ظلّ طيّ الكتمان لأن لا أحد يدوّن ولا شاهد موجود.
قلت لصديقي المغرم بملحمة كلكامش.. إن هذه الملحمة ليست فقط نبوءةً شعريةً أو ملحمةً تحكي جزءاً من حياة، بل هي دستورٌ لكلّ هذه الصراعات التي تحصل في العالم وإنها نقطة الإنطلاق في سباق كلّ هذا الحزن الذي غلفنا.. وحين صفن في وجهي قلت.. المشكلة إننا آمنا بالآلهة كحقيقةٍ في حين حتى الآن هناك من يختزل وجود الله في عناوين مقدّسةٍ أخرى..وحين عبّر عن سؤالٍ في ملامح وجهه، أجبته أنّي أفكّر بما خطط له كلكامش وهو يحاول أن يثني صديقه انكيدو عن العودة الى حياته الأولى في البداوة بعد أن سئم حياة الحضارة كما يسميها المؤرخون في كتبهم.. وما علاقة خمبابا لكي يقتلونه وهو الوحش الذي لا يمكن أن تقف بوجهه كلّ وحوش الغابة.. لكني وأنا أغنّي له أغنيةً فيها كلمات عن كيف استلّ درعه ليجرّبه، ذاك الذي أهدته له جدته.. استيقظ من جديدٍ ورسم على ملامحه الجِدّة وهو يجرّب النهوض من كبوته لكي يحرث الأرض التي تحته لعلها تكون غابةً جديدةً له، ويلاقي فيها كلكامش.. أعلم أن خمبابا كان حارس غابة أشجار الإرز.. ربما ملامحه لا تشي لي بذلك ، ولكن ما قرأته يوضّح لي إنه القاهر لكل من اقترب منه.. للحظةٍ ارتعبت من هيئته وهو يستوي في مكانه ليثني ساقيه مطلقاً صوتاً قوياً أرعبني بشكلٍ مخيفٍ حتى لكأنه يعيد زئيره الذي يشبه النّار والطوفان إذا ما خرج من فمه.. كان ثائراً كمن رأى مجدداً لحظة اقتحام انكيدو وكلكامش لغابته وهو الحارس الأمين عليها والوحش الذي لا يشق له غبار.. ثم وجدته يهدأ وينظر بعينين زائغتين لما حولي وكأنه يبحث عن شيءٍ يخاف رؤيته أو شيء يخافه ولا يريد عودته..سألته عن خوفه وهو المعروف بقوته التي تعادل آلهة.. قال لي بصوتٍ مرتجف:أنا كنت إلها حتى لو نصبني الاله إنليل..ثم إطلق بصره، كمن ينظر الى خلف رأسه مخافة أن يسمعه أحد.. وحين اطمأن على ارتجافة روحه قال لي أيضا: أنا من كنت أخيف بصرخة زئير كلّ من يفكّر بالاقتراب.. ثم همس في أذني؟ نحن كنّا أول من صنعتهم الخديعة لقتل الناس واستغلال المأوى وزرع المآب وجفاف الفكرة من صرخةٍ قاتلة.
لا أعلم لماذا ضحك صديقي وهو يقلب كتاب الملحمة بين يديه.. ثم يعود ليفتعل الصمت أو هكذا خيّل لي.. ولم يقل لي كلمةً واحدةً كأنه رافضٌ لما توصّلت إليه.. ولكني وأنا أنظر الى الشارع من بوابة المقهى، لمحت رجلاً كبيراً ضخماً بوجهٍ عابسٍ ويدين كأنهما آلتين لحطب الأشجار كأنه عاد من معركةٍ لم يثبت فيها الخسارة من النصر.. اردت مناداته لمعرفة أخبار الحروب لكني وأنا ألتفت الى الزاوية البعيدة من المقهى لمحت كومةً صامتةً لها لون الرماد.. تدور عيناه بهلعٍ مخيف، كمن لا يريد لأحد أن يراه.. كان كثّ الشعر وبالتأكيد فإن ملابسه تختلف.. كنت أراه وكأنه يخاف عدوا.. أرقب نفسي وأتحوّل الى مرقابٍ آخر من العلاقات.. أخبئ قلقاً أن يطاردنا أحدٌ ما في هذا الوضح من النهار، ولكنه حين كشف لي هويته، أصابني أنا الارتعاب والارتياب مما أنا فيه، حتى خفت أن أكون أنا المجنون وليس هو.. رحت أصغي إليه.. ما زلت حتى الآن أتمتع بهذا الدفق العظيم من الألم.. بهذا السحر العجيب من الخسارة والخيبة.. قال:رأيتك تبحث عني بين الكتب وتقلب أسمي وتحاورني وتريد إيقاظي، وتعلم أنني ممهورٌ بختم الآلهة..
لم أشأ المقاطعة لكنّ عيني ذهبت الى صديقي الذي يجلس أمام بوابة المقهى ويحدث نفسه، وكان رأسه باتجاه المكان الذي كنت أجلس عليه.. أرجعني صوته.. لأواصل الإنشداه: أنا خمبابا يا قارئ التأريخ وتريد تصديقه.. سأقول لك شيئاً..إن الآلهة سبقت المعرفة البشرية بطرق العبادات فاستغلت حاجة الناس الى القوّة من جهة والى الموت من أجلها من جهةٍ ثانيةٍ، ولذلك فهناك آلهةٌ كثرُ، ولكن بعضهم يصنعون الجمال وبعضهم يصنعون الموت والقتل.. وحين رأى الحيرة على تفاصيل وجهي قال: ليس الأمر كما تريد لأن المشكلة بنا نحن من نصدق فنذهب في التيه مع هذه الآلهة.. ثم وهو يراني أحك رأسي قال: الآلهة كذبة التأريخ نحن أردنا أن نصنع لقوتنا شيئاً خارقاً.. كلكامش وانكيدو حين جاءا للغابة حملا معهما أمر إلهٍ يحبّ الحرب والقتل وأنا مأمور أيضا بإلهٍ يحبّ الحرب والقتل، وكلّ له سبيله.. ولأن صوتي حينها لم ينفع لأخيف أشجع اثنين، كان لهما الصيت القوي كما تفعلون أنتم الآن حين تخافون من قوّةٍ تريد قتلكم.. فتحت عيني أساوق بين لغتين وأنا أحاول أن أعيد ما قرأته عن خمبابا العظيم الذي لم يعترف بعد بهزيمته.. ولكنه بدلاً من الحديث عن صراعه على بوابّة الغابة وخسارته المعركة، راح يحدّثني عن الشارع الذي يراه أمامه وهو يشير لي بإصبعٍ فخمٍ كأصبع غوريلا لم تخرج من عمرٍ من حصون غابةٍ موحشة.. وثم سألني: هل لديكم آلهة الآن؟ وقبل أن أجيبه، كانت عيني قد سرقت نظرة من صيقي المولع بالأسطورة، فوجدته كمن يبحث عن شيءٍ ضاع منه.. لذا أعاد رأسي إليه وسمعته: أريد أن أقارن بين آلهتنا وآلهتكم.. نحن لدينا آلهة تخرج بعد كلّ كارثةٍ بشكلٍ جميلٍ وتحمل الشباب والخصوبة معها.. ثم ما أن نستقرّ وتتمكن من السيطرة على العقول، حتى يأتي إله الحرب لكي تتوسّع الإمارة ويسيطر على حركة الناس ويوزّع قواه بين المطيعين له، ومن ثم يكون الصراع ليقتل بعضهم بعضهم؟ ثم عاد للسؤال.. هل لديكم مثل هذه الآلهة؟ لم تندّ منّي سوى ابتسامةً ووضعتُ ساقاً على ساقٍ، فنظر لي باستغراب وحين حرّك ساكنه برفع ساقه اليمنى ليضعها على ساقه الأخرى كما فعلت..تحرّكت الرّيح حتى كاد سقف المقهى يطير.. فضحك هو الآخر وقال: لا تخف لم أعد كذلك.. ولكني وقبل أن أدعه يكمل حديثه سالته.. هل هذا رأسك؟
تخيّلت أن الأرض تتزلزل.. وإن الأرائك طارت وارتطمت بالسقف ولا أعلم لماذا أغمضت عيني.. وحين هدأت العاصفة تبين إنه كان يضحك عليّ من سؤالي ومن إغماضة عيني كونها تشي بخوفٍ ورعب.. فقال .. نعم هو رأسي لأن الآلهة التي وقفت الى جانب أنكيدو وكلكامش حين صرعتهما في بداية الأمر عقابا على قطعهما أشجار الإرز أمدّهما إله الشمش بثمانية أنواع من الرياح هبّت في وجهي وشلّت حركتي ليتمكن كلكامش وأنكيدو من قطع رأسي، ليقدماني قرباناً للإله.. ثم وهو يقف على ساقين تخيلتهما تشبهان جذع شجرةٍ لم تقطع من قرون.. قال: الآن تقطع الرؤوس لديكم ثم تعاد الى الجسد في المقبرة؟ وسمعته : هل هناك من يحب قطع رؤوسكم ليكون هو في السلطة؟ طلبت منه أن يقرب اذنه التي أخذت كل وجهي فأدخلت فمي في صيوانها: لدينا قطع الرؤوس بحفلات لم تهدأ منذ أن كان التأريخ قد حفل بصراعات الوجود.؟ وحين فتح فاهه متخيلاً ان قطع الرؤوس لا يكون في ميادين الحرب فقط ومهرجانات المسابقات.. لم أكمل له ما يريد.. لأني لم أجد كلمات في حلقي.
أردت أن أنده صديقي ليسمع ما يعشقه ويتابعه لعله يصدّق بمقولتي إن كلّ شيء لا يأتي من فراغٍ، بل هو صراعه العقل والعاطفة والمتسبب هو التأريخ ذاته.. قال صديقي وهو يطلب مني أن أشرب استكان الشاي البارد :إنك تتخيل الاشياء وتريد منا تصديقك.. لكنها لعنة التأريخ
****************************
علي لفته سعيد، كاتب وشاعر عراقي، ولد جنوب العراق سنة 1961، أصله سومري من مدينة سوق الشيوخ جنوبي الناصرية، المدينة التي منحته “روح النشيج المغمس بالحزن الجنوبي العراقي”، كما يقول. بدأ شاعرا ورساما في مرحلة تعليمه الابتدائي، لكن أحد معلميه اكتشف آنذاك أن ما يكتبه من شعر هو أقرب إلى الدراما، ما دفعه لالتهام الروايات العربية والعالمية والعراقية، لينهل منها السرد كما يتقنه حاليا.
في سنة 1980، حين اندلعت الحروب في بلاده، وجد علي نفسه أمام منعطف جديد يحور كلامه من صناعة الجمال إلى الدفاع عن الجمال. فبدأ يكتب عن الحرب، التي شوهت كل معالم جمال الكون، في نوع من الانتفاضة ضد القبح والعنف، وفضح كل هذا الغباء الذي انجر إليه العالم. فيما جل إبداعاته الأخرى تنشد الحب والجمال، دون أن تخلو من هم الوطن ومشاكل مجتمعه.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة