سلمية سلمية ودقلة عنفية!

لم يمر وقت طويل على انخراط احد اكثر التيارات استعمالا للعنف بعد الفتح الديمقراطي المبين، في طقس الجمعة الاسبوعي للتظاهر الوديع تحت نصب الحرية ؛ حتى انتقلت حمى العنف الثوري الى معسكر ما يعرف بـ “المدنيون” المصرون على نقل صخب وضجيج شارع المتنبي الى نصب الحرية الذي اعتزلنا منذ أكثر من نصف قرن. الجميع مسكون اليوم بمطلب الاصلاح ومكافحة الفساد، من دون ان يكلفوا أنفسهم في الالتفات الى بيوتهم وحضائرهم المثقلة ببضائعه واعراضه المتعددة الوظائف والأشكال. هل تساءل “المدنيون” يوماً عن دور وتأثير برلمانييهم، وعن الاسباب الفعلية والعميقة لضحالة شعبيتهم وانعزالهم عن الشرائح الاجتماعية العريضة لسكان هذا الوطن المنكوب بضياع المعايير والقوانين التي انتشلت باقي المجتمعات والامم من مثل هذه المتاهات المزمنة؟
كلا لم ولن يتخلوا عن ثوابتهم وتقاليدهم؛ والتي لا تجيد غير تبيض وجه فضلاتهم المصخمة، وتجاربهم السابقة المسؤولة عن غير القليل من هزائم وكوارث العقود المنصرمة. مع مثل هذه المواقف المغامرة وغير المسؤولة، يمكن للمتابع الحصيف، ادراك حقيقة انهم لم ولن يتخلوا عن نهجهم وسياساتهم وسلوكهم القديم. عن أي عنف يجري الحديث؟ وهل حقاً قد وصل بهم الامر الى تقمص دور البلاشفة الأوائل عند بوابات قصر الشتاء عام 1917 في بطرسبورغ؟ هل وصلت الغيبوبة الى هذا الحد المزري الذي يجعل من لحظة التظاهر عند بوابات المنطقة الخضراء كمثل اللحظة التاريخية والتي دونها الصحفي البارع جون ريد في كتابه ذائع الصيت (عشرة أيام هزت العالم)؟
هذه والكثير من التساؤلات تطرق لحظتنا الراهنة المشبعة بالجنون والضياع واللبس والغموض، فلا أحد من الذين مازالوا يقبضون على شيء من العقل والوجدان، يقف ضد محاولات الاصلاح ومكافحة الفساد. لكننا ومع اختلافنا الطبيعي في الكثير من القضايا والملفات الشائكة، لا يمكن ان نختلف على رفضنا لكل ما يتعلق باستخدام العنف ونشر قيم الرصاص والزيتوني والعسكرة والعبوات وكواتم الصوت وغير ذلك من السلع الجهنمية التي هرست العراق وضعضعته طوال أكثر من نصف قرن من الشعارات والتجارب الشعبوية البليدة. مثل هذه الهلوسات هي اعراض طبيعية لحالة غير طبيعية انحدرنا اليها لحزمة من الاسباب الموضوعية والذاتية يعرفها تماماً المتابع الموضوعي للاحداث، كما ان الخروج من محنتنا الحالية لن يمر ابداً عبر هذه الخلطة السياسية والعقائدية التي لا يسبر غورها افضل الراسخون في علوم الصراعات الطبقية والقيمية.
يفترض بمن تورطت بهم المحافل والمنابر والمنصات والعناوين الثقافية والعلمية؛ الامتناع عن الانخراط بمثل هذه الحفلات التنكرية وذلك “اضعف الايمان” كما يقول حلفاؤهم الجدد، ولان فزعتهم الاخيرة لن تضيف لغربتنا الهائلة عن الحاجات والحلول الواقعية، الا أشواطاً اضافية لكثبان خيباتنا المزمنة. عند مفترق الطرق هذا، نحن أحوج ما نكون للحكمة والوعي العميق بتطور الاحداث ونوع السيناريوهات الجهنمية المتربصة بمشحوفنا المشترك، وهذا يقتضي منا جميعاً ادراك أهمية ابعاد كل أشكال المغامرات والاعمال المتهورة التي تدعي الثوروية أو الجهاد او غير ذلك من الطركاعات التي لا تكف عن هواياتها القاتلة والمتخصصة بخلط الاوراق والشعارات والاقنعة والاهداف، نحن بحاجة الى اصلاح لا جولات اضافية من الديماغوجيا والحمولات الكاذبة و”نكش الشوكة بالشوكة”.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة