الأخبار العاجلة

ربيع أميركا اللاتينية ؟

لويس البرتو مورينو
رئيس بنك التنمية للبلدان الأميركية
بينما تزداد فضائح الفساد في أميركا اللاتينية، يتساءل العديد من المراقبين هل المنطقة سوف تتخلص من إرثها الناتج عن ضعف المؤسسات. أعتقد أن الجواب هو نعم.
ويستند تفاؤلي جزئياً الى تاريخ الولايات المتحدة، والتي أسسها القادة الذين شعروا بقلق بالغ إزاء الفساد؛ وحسب بعض التقارير، فقد وُضع الدستور بهدف تحصين الجمهورية الجديدة ضد الرذيلة. وعلى الرغم من جهودهم، سرعان ما أصبحت الحكومة الأميركية قابلة للرشوة مثل الأنظمة القديمة في أوروبا – وكما قال فرانسيس فوكوياما، فقد ظلت كذلك لأكثر من قرن.
وحتى بعد شروع الولايات المتحدة أخيراً بتنظيف الحكومة الفدرالية، استمرت الرعاية السياسية على مستوى الولايات والبلديات. أما السياسات من أجل زيادة الشفافية الحكومية، مثل قانون حرية المعلومات، فلم تدخل حيز التنفيذ حتى الستينيات.
وما يزال الأميركيون اليوم قلقين من تأثير المال في السياسة، كما يتضح ذلك من تكرار الجدل حول تمويل الحملات الانتخابية في الانتخابات التمهيدية الرئاسية الحالية. ولكن ليس هناك من ينكر أن حكومة الولايات المتحدة اليوم هي بلا شك أكثر استقامة مما كانت عليه في أيام توماس جيفرسون وبراهام لينكولن أو تيدي روزفلت.
تَعد أميركا اللاتينية تجربة الولايات المتحدة بمنزلة تذكير بأن مؤسسات قوية قابلة للظهور في فضاء معادٍ، وذلك بفضل الجهود التراكمية لأجيال المصلحين. إن الدرس المستفاد من تجربة الولايات المتحدة وبلدان أخرى هو أن البلدان تحتاج إلى ثلاثة عناصر لمكافحة الفساد: وضع إطار قانوني قوي، وجود قادة ملتزمين ودعم شعبي مستمر.
و يجب أن لا يكون العنصر الأول مشكلة لبلدان أميركا اللاتينية (كثير من قوانينها الأساسية مستقاة من دستور الولايات المتحدة)، وعلى الرغم من ذلك يبقى التنفيذ الثابت نقطة ضعف خطيرة. وبخصوص العنصر الثاني، فقد وقف العديد من الأفراد الشجعان مطالبين بالاستقامة، لكن برغم ذلك تم تجاهلهم أو تهميشهم.
العنصر الثالث – يتمثل في التعبئة الشعبية ضد الفساد – والتي من الصعب الحصول عليها، بالنظر إلى كون أميركا اللاتينية تأريخياً متسامحة في سرقة السياسيين. حتى أن للبرازيليين مقولة مشهورة لتبرير المخالفات: (يقوم بالسرقة، لكنه ينجز المهام).
وقد بدأ يتغير هذا الوضع أخيراً. وفي جميع أنحاء أميركا اللاتينية، يخرج المواطنون إلى الشوارع ليقولوا للفساد:(كفى). هذه ليست مجرد احتجاجات متفرقة ضد سياسات معينة تضر بمصالحهم الخاصة. الآن أضحت المظاهرات تشمل شريحة واسعة من المجتمع، بنحو متزايد، ولاسيما الطبقة الوسطى الناشئة في المنطقة.
والأكثر من ذلك، خلافا لما حدث في الماضي، يجري التحقيق في فضائح الفساد اليوم ويحاكم المجرمون في إطار استقلال القضاء بنحو لم يسبق له مثيل. في بلدان مثل البرازيل والشيلي وكولومبيا وجواتيمالا، المحاكم المختلفة تتابع وتقوم بسجن حتى السياسيين البارزين ورجال الأعمال.
وتعرف هذه المنطقة، المعروفة بالإفلات من العقاب في أوساط النخب السياسية والاقتصادية، تحولا جذرياً. وإذا استمر هذا الضغط الشعبي والقضائي، كما يبدو مرجحاً، فمن المتوقع إنشاء الظروف الملائمة لنجاح إصلاحات أخرى كثيرة.
ومنذ العودة إلى الحكم الديمقراطي في الثمانينيات والتسعينيات، تعمل العديد من بلدان أميركا اللاتينية بهدوء على تعزيز الضوابط والتوازنات بداية من أنظمتها السياسية وتقوية السلطة التشريعية لتحليل الميزانيات إلى مراقبة الإنفاق لدعم قدرة السلطة القضائية لملاحقة الجرائم المالية المعقدة . وأدخلت العديد من الدول مؤخراً ضمانات مدعمة ضد التهرب الضريبي وغسل الأموال. ويحاول البعض إصلاح الشرطة واعتماد نهج أكثر إستراتيجية لمكافحة تهريب المخدرات والجريمة المنظمة.
هذه هي أنواع التغيرات المملة التي نادراً ما تتصدر عناوين الصحف. ومع ذلك لا غنى عنها لبناء الثقة في المؤسسات العامة – وهو أمر ضروري لتحقيق التقدم الاقتصادي بدوره. فعدم الثقة في المؤسسات ليس فقط غير مشجع للاستثمار الطويل الأجل؛ بل إنها – والحالة هذه – تدفع أيضاً ما يقرب من نصف أصحاب الأعمال الصغيرة في أميركا اللاتينية إلى العمل في الاقتصاد غير الرسمي تفادياً للقوانين والضرائب التي يعتقدون أنها تطبق بنحو غير عادل. وفي الوقت الذي يشهد فيه النمو العالمي تباطؤاً وانخفاض أسعار السلع الأساسية وهناك مطالبة بالنمو السريع للإنتاجية ، لا تستطيع اقتصادات أميركا اللاتينية تحمل قيود إضافية بهذه الطريقة.
وعلى وجه العموم، لقد وصلت الرسالة المسؤولين المنتخبين في أميركا اللاتينية وهرعوا للانضمام إلى مبادرات الحكم الرشيد، كما هو الحال بالنسبة للشراكة الحكومية المفتوحة والمتعددة الأطراف. لقد حان الوقت للقطاع الخاص، الذي كثيراً ما كان يتسامح مع الفساد كتكلفة لا مفر منها لممارسة الأعمال التجارية، إلى اتخاذ موقف حازم كذلك. وإذا أضاف الزعماء السياسيون ورجال الأعمال في المنطقة أصواتهم إلى الاحتجاجات ضد الفساد، يمكن لأميركا اللاتينية تحقيق قطيعة مع الماضي، وضمان التطبيق العادل للقوانين على كل المواطنين لتمكين الجميع من إثبات إمكاناتهم الكاملة .

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة