روايات خدّج

(اللغة بنت عصرها)
تقف امام الروائي معضلات سوداء مثل السيطرات الوهمية للارهابين والملثمين تفتش عن الهوية داخل الرأس والقلب، هذه المعضلات ترعب الكاتب من خشية السقوط في فخ التحقيق الصحفي(ريبورتاج)،أو ينحشر داخل شبكة المدون التاريخي، أو يغوص في دهاليز المقالة السياسية والفلسفية والنفسية والاجتماعية. مع الاسف، سقط الكثير من الروائيين في أحابيل الخوف وانزلقوا الى مناطق ابداعية اخرى غير السرد. عند قراءة العشرات أو المئات من الروايات الصادرة خلال هذه السنوات القريبة خاصة بعد الهجرة الميمونة من الشعر الى الرواية، كتاب لا يحملون معهم العدة السردية لبناء هيكل هندسي لا يشبه غيره،ثم يكسوه بلحم ودم مخلوقاته الخيالية داخل نسيج فني أدبي. لكن ما حدث في هذه الروايات: عدم مغادرة المحطة الشعرية إذ بقي الكاتب يحمل عدة القصيدة، فلا نرى حكاية ولا احداث ولا شخصيات مرسومة بدقة وعناية يمكن التآلف معها والشعور بها، لم نرى كيف تم خلق الراوي بل الكاتب المؤلف هو الراوي. وجدت عند هذا النوع من الروائيين استسهال مفجع لكتابة رواية وتكابر ضحل على شروط كتابة السرد حتى انه لا يكلف نفسه قراءة كتب تعليم كتابة الرواية مثل( رسائل الى روائي شاب) لماريو بارغاس يوسا، لذلك خرجت معظمها روايات خدج، هي المخطوطة الاولى فقط بكل نقصها وعيوبها واخطائها ومشاكلها. أقول روايات خدج لأنها ناقصة الخلق ولا يمكنها العيش اعتمادا على الصدفة والغيب والمراهنة على سذاجة وبساطة بعض القراء. هي روايات بلا ملامح وهوية وجنس، بلا قصة محورية ولا أحداث جوهرية تشد القارى منذ السطور الاولى، وبلا شخصيات حية دافئة قريبة يمكن تلمسها والجلوس معها، بل كانت معظم هذه الروايات انثيال لغوي شعري، سرد بنية القصيدة، بعيدة عن جنس القصة والرواية، تخلو من البناء الفني بلا هيكل عام ولا هندسة معمارية للحدث وبصمة الاسلوب، والراوي نفسه هو البطل والكاتب، مع الاسف لم يغادر هؤلاء محطة الشعر، لا توجد براءة في كتابة الرواية ولا مكان للسذاجة، الرواية مخطط للوعي وبناء معرفي، كل موقف محسوب بدقة وكل رأي هو نضوج عقل على نار التفكير الهادئة. لذلك تبتعد الرواية عن البراءة بعكس الشعر، الذي يتدفق مثل ينبوع جاري أو جرح ينزف، لكن براءة الرواية قصدية، براءة مبيتة. الرواية بعيدة عن السذاجة بعكس الشعر غير المطالب بفكر ثاقب ولا معرفة عميقة ولمعان مشع للوعي. لا أحد يسامح الروائي على سذاجة وعلى اقتراف أخطاء فادحة قاتلة في كتابه. الكاتب الفطن يتجنب الخوض في الرواية بلا عدة سردية وزاد معرفي وخيال وموهبة وصبر طاقة سيزيف على الفشل ومعاودة الكتابة من جديد حتى ينحت من صخرته تحفة لا يملها الناظر والقارئ وإلا فالرواية فخ يهوي فيها الغر والارعن للفضيحة والسقوط المدوي.
نصيف فلك

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة