لماذا هدّمت الأسوار؟

خيري حمدان
استيقظ في وقت مبكّر..لم يتمكّن من النوم في الليالي التي تبعت تلك الحادثة، وغالبًا ما كان يتساءل: لماذا هذه الزوبعة المفتعلة؟ ما حدث كان متوقّعًا، مجرّد مفردات متناثرة لقصّة موت معلن.
عيناه متنفخة ويداه ترتجف، رغم رباطة جأشه وإصراره على الظهور بأناقته المعهودة، لكنّ أثر القلق بدا أكثر وضوحًا في معالم وجهه منذ تلك الحادثة.
حاول أن يحلق ذقنه دون أن ينظر في المرآة، بات شديد الحذر من المرايا، بعد أن ظهر ظلّه الثقيل من عمق وزوايا المرآة، وكان على قناعة حتّى اللحظة أنّ الموت يطوي كلّ شيء، يضع حدًا للمعاناة. ظنّ الموت قرين النسيان، يحضر الموت لتنطوي علامات الاضطراب والانشغال والانزعاج وتعود المياه إلى مجاريها.
– لماذا هدمتَ الأسوار؟ ذاك الظلّ يحدّق فيه من عمق المرآة بعينيه العميقتين وبراءته المألوفة، ونبرة الاتهام واضحة في صوته. نبرة قاتلة لا ترحم، ولا يتوقّف عن طرح السؤال ثانية، لماذا هدمت الأسوار؟
– أنا…! كيف يجيب على هذا السؤال؟ كيف يحادث شبحًا.
– أنا لست شبحًا، أنت مخطئ. أنا من لجأ إلى بيتك أطلب الحماية، أتذكر؟ وكنت تعلم جيّدًا أنّ الذئاب تلاحقني، تريد نهش لحمي وكسر عظامي وقتلي. أنا ضميرك.
– أنت كاذب، هذا ليس صحيح. أنا لا ضمير لي يا رجل، لقد دفنته منذ زمن بعيد كي أتسلّق إلى أعلى الهرم. لا ضمير لي فأنا ذاك الدبلوماسي الذي حضر في الوقت الضائع، وعليّ أن أعوّض الزمن المفقود، أن أرتقي وأنت مجرّد شهيد كما يدّعون. ألا تعلم أنّ زمن الشهداء قد ولّى، نسينا أمرهم بعد أن وقّعنا آخر المعاهدات على قبوركم. أنت المنتحر.
– لماذا هدمت الأسوار، وشرعت الأبواب ودعوتهم للدخول؟ لماذا أغمضت عينيك وهم يمعنون بي قتلا، ووضعت القطن في أذنيك كيلا تسمع أنيني، ووضعت قناعًا أسود على عينيك كيلا ترى دمائي القانية في الحديقة الخلفية لبيتك؟
لهذا كسر المرايا ورمى بها بعيدًا عن منزله، وكلّما شاهد مرآة في مكانٍ ما غضّ الطرف خشية أن يظهر له الظلّ ثانية. أصيب برهاب من الأماكن المرتفعة الشاهقة، وكلّما وجد نفسه في طابق علويّ ابتعد بسرعة عن النافذة، تمسّك بالكرسيّ أو الطاولة أو بذراع رفيقه، تسمّر في مكانه دون النظر إلى الأسفل.
ساءت حالته بعد مضيّ شهر ونيّف، هجره النوم ولم يعد المال كافيًا لطرد الهواجس المتكاثرة. طيفه يظهر من كلّ زاوية في البيت، في المبنى المشؤوم، في السيارة الفارهة، في الدكان، في المقهى، في المول، في السرير، في نظرات العابرين في الشارع. ضرب رأسه، لطم وجهه، شدّ شعره والألم يعتصر أحشاءه.
– لماذا هدمت السور وتركتهم ينفذون من ثقوب الجدران والأبواب المخلوعة؟
– سامحني، أرجوك سامحني، أريد أن أنام، أريد أن أستعيد سكينتي.
– وماذا عن سكينة أرملتي، والحسرة في أعين أبنائي؟ ماذا عن العهد؟ لا، لن تشعر بالسكينة أبدًا، حتّى لو رفّعوك ونقلوك إلى العواصم الثرية لتنهل المزيد من الحياة. سأبقى ألاحقك ليل نهار، حتى أنال حقّي وحقّ شعبي منك.
حاول أن يمدّ يده، أن يلمس أطراف أصابعه المخضّبة بالدماء دون فائدة، كان قد ابتعد وجلس هناك حيث ارتقى عاليًا، يراقب عثراتنا، يبتسم بحسرة، يسخر من الخنوع والاستسلام ولا يسامح.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة