أعزل يبحث عن السموّ

حميد العقابي.. في (التيه)
متابعة الصباح الجديد:
حميد العقابي شاعر عراقي من مواليد عام 1956 بالكوت .غادر (العراق) نهاية عام 1982. يقيم في الدنمارك منذ عام 1985. صدر له حديثا عن دار ميزوبوتاميا كتاب (التيه) الذي يضم مئة نص بين القصة القصيرة والشعر ، الومضة شعرية.. القصة قصير جداً والقطع الادبية التي تجعل من المتعذر تصنيف الكتاب او اخضاعه لأي تجنيس أدبي . يستهل العقابي كتابه باشارة عن الشخصية التي هي محور الكتاب (الاعزل) حيث يقول في اشارته:
الاعزل لغوي ماهر يعرف اسرار اللغة باتقان، وهذا الامر اكتسبه بسبب عزلته او بسبب نزوعه الى العزلة، فهو لم يخطر في ذهنه يوما ان كان لعزلته سببا او نتيجة، ولانه ابتعد عن الحديث الشائع واللغة النفعية تحولت لغته الى اصوات مكتومة و ان نطق فليس لكلامه اتجاه، فحديثه دائما موجه نحو الخالق العظيم الذي تفرض محادثته على الاعزل ان ينتقي مفرداته بدقة شديدة، ليس خوفا من ان يسئ الخالق فهمه بل ان المهابة تفرض نفسها عليه. وان كا نيرفع رأسه الى السماء الا انه لا يرفعه حيث يقيم الخالق بل ان فكرة السمو هي التي تجعله ينظر الى الاعلى وهو يخاطب المطلق في عليائه والبعيد في عزلته. وعلى ذكر الخالق ، فالاعزل ليس مؤمنا ولم يفرض عليه الخوف والجهل ان يلتجئ الى التفسير السهل لمأزق وجوده او لما يقلقه من أسئلة تنهال عليه كل لحظة، ولكنه اختار السماء كمكان للسمو، فهو يعشق الله لا طمعا في جنته ولا خوفا من ناره، وانما يراه الانا التي يحلم ان تكون انيس عزلته.
نعم.. انه متفذلك بارع يخاف منه الشيطان نفسه، الشيطان الكامن في التفاصيل، لان التفاصيل التي يتقن الاعزل حسابها لا تخضع لثنائية الخيرو الشر بل انها في حساب الاعزل منجم الجمال السري الذي لا يعطي تعزيمه الا لمتأمل تجرد من الصفات التي انتجها الخوض في اليومي المركوس في وحل الغاية والحاجات الانية. وسواء كا نالامر حقيقة ام وهما، فان افكار الاعزل ومواقفه وحكاياته لا تعدو اكثر من كونهها لعبة لاستفزاز المخيلة التي استطاع من خلالها ان يؤسس له حياة افتراضية اكثر رحمة من حياته الحقيقية في الماضي او الحاضر، بل هي اكثر جمالا، فبعد كل حكاية يرويها لنفسه يشعر بان تيارا سرى في جسده، يزرقه بمصل عنفوان يجعل من الحيا ةفي عزلته جديرة بان تعاش، فافكاره وقصصه ليست افكارا مجردة بل استطاع ان يجسدها ويجعل من شخوصها كائنات حية تعيش معه ويحاورها، وبدونها يشعر بفراغ شاسع، كروائي يعيش بأقنعة شخصياته و لا يكتبها.
من هنا فان الاعزل اختار السير في المتاهة، لا كشفا لغموضها وانما يدفعه الشعور بغبطة عميقة الى مواصلة السير متساميا على الغاية، مبتهجا باللاوصول.
ومن خلال المقطوعات المتنوعة في الكتاب، يوغل العقابي في مناجاة الذات مناجاة صوفية خالصة تكون اشبه باستقراء ضمن (عهد الشاعر) او العهد الذي يستقرئ الشاعر من خلاله ذاته ليطرح من خلالها اسئلته الوجودية ويجيب عليها من وحي الايمان بالذات.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة