الأشدّ مرارة

طوفان من الهزائم والتنازلات تعرض لها سكان هذا الوطن القديم، أوصلتهم الى مستويات لا مثيل لها من التدهور في نمط معيشتهم، يمكن تلمس تجلياتها في كل ما يحيط بهم من شروط لا للعيش وحسب بل في الموت أيضاً، والذي بمقدور المرء التعرف فيه على ذروة التراجيديا العراقية. طبعاً حديثنا هذا لا يشمل الفئات والطبقات التي تبعدها ثرواتها الاسطورية وحظوظها الاخرى، عن مواجهة مثل هذه الشروط اللاانسانية في المستشفيات والمراكز الصحية المتجحفلة معها بمنظومة القيم والممارسات المتخصصة بمسخ كرامة الانسان. هناك في الأمكنة التي خصصتها المجتمعات البشرية لرعاية المرضى والعناية بهم، والتي ارتقت في غير القليل من البلدان الى مستويات من الحرص والاهتمام شملت فيه حتى المنتسبين لمملكة الحيوان؛ يمكن الوقوف عند الفصل الأشد مرارة في مسلسل حياة الغالبية العظمى من سكان هذا الوطن المنكوب بالهلوسات القاتلة.
مع تدهور الصحة المفاجئ او التدريجي نتعرف على الخلل الخطير الذي عصف بهذه المؤسسات وبوظيفتها ودور ملاكاتها الطبية، نتعرف على حجم الغربة التي يعيشها ابقراط (ابو الطب) وقسمه الانساني، مع مخلوقات تفجرت شراهتهم ولا أخلاقيتهم لمستويات تخجل منها أكثر القوارض شهرة في ماراثونات الجشع والقضم. لقد تحولت هذه المهنة الانسانية العريقة بفضل الانحطاط الفظيع في منظومة القيم والسلوك بعد هيمنة (حثالات الريف وأوباش المدن) على مقاليد الثروة والسلطة والقرار؛ الى المهنة التي تبيض ذهباً لكل الحالمين بالثراء السريع والفاحش، وهذا لا ينفي حقيقة وجود شخصيات علمية وطبية قاومت وباء الشراهة هذا وظلت امينة لروح وظيفتها الانسانية ووصايا ابقراط الخالدة. غير القليل من الذين أجبرتهم الأقدار والتطورات المأساوية في بلدانهم الى الهجرة، اصطدموا بالمعاملة التي تلقوها في بلدان المهجر، وكيف وجدوا فيها تلك الرعاية والاهتمام الذي لم يحصلوا على جزء يسير منه في البلدان التي انفقوا فيها كل سنوات شبابهم وحيويتهم، وخاصة في مجال الرعاية الصحية والانسانية للمحتاجين لها من المرضى والمسنين (في اليابان على سبيل المثال لا الحصر وصل متوسط العمر الى سن الـ 85 عاماً).
من سوء حظ العراقيين من شتى الرطانات والازياء انهم لم يمتلكوا وبالرغم من كل هذه الكوارث التي هبطت على مضاربهم؛ مشروعاً ورؤية للخلاص من كل هذا الضيم والحيف المزمن. لم ينضجوا الهمة اللازمة للعيش كباقي الامم التي اكرمتها الاقدار بكل ما يرفع من شأن عيال الله ومستوى معيشتهم على تضاريس الدنيا الفانية. ما زالوا يدهشون العالم بفيض من “الزماط” ودقلاته من الحمولات الكاذبة، والتي تقذف بالمزيد من الحشود الى أطراف بحر ايجة وباقي البحار التي تنتظرهم بفارغ الصبر. مع مثل هذا المازق القيمي والحضاري الذي وصلنا اليه بهمة قوارضنا المحلية ومواهبها في مجال نهش بعضنا البعض الآخر، ومع جفاف ضرعنا ورزقنا الريعي؛ لم يعد أمامنا غير المواقف الصارمة والمتنافرة مع كل ما يمت لمنظومة الشراهة والاستئثار بصلة. ومثل هذا الأمر لن يحصل من دون تغيير في المعنى الحقيقي للتعليم ومؤسساته وملاكاته وفلسفته المتخلفة والتي تقف خلف كل هذه الغرائبية في المشهد الراهن، وكل هذه القسوة والمرارة المرافقة للحظة الانتقال الى العالم الآخر..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة