القتل بوصفه نمطاً ثقافياً

الجرح الأخلاقي والعنف التطهيري أو إعادة بناء مجال الوحشية العراقية
القسم الثاني والأخير
يوسف محسن
«عبثًا يحاولون التطهّر بأن يتلوّثوا بالدم، مثل رجل بعد أن يستحمّ بالوَحل يريد أن ينظّف جسده بالوحل! ومَن يلاحظه يفعل ذلك يظنه قد مسّه خبل بالتأكيد!
هيراقليطس
سياسات العنف وظهور
«الجماعات المتخيلة»
نتيجة للتركيبات الديمغرافية للمجتمع العراقي وتقويض الدولة الكليانية البعثية العام 2003 وتفكيك مؤسسات الهيمنة السياسية والقمعية، حدثت سلسلة من المتغيرات الجوهرية في بنية الدولة العراقية والعقد الاجتماعي للجماعات السياسية وظهرت قوى اجتماعية وسياسية ودينية جديدة على مسرح التأريخية العراقية وتوزيعات النسق الاقتصادي، في حين شكلت انتخابات 2005 أول منعطف في تأريخ العراق السياسي، رافقها ظهور سيرورات من التمركز حول الهويات الفرعية الطوائفية والقومية والإثنية ودخول هذا التمزق المجتمعي إلى الحيز السياسي على الرغم من أن هذا الانبعاث الهوياتي له مبرراته التأريخية والسوسيولوجية، إلا أنه لم يؤدّ إلى فتح النقاش بين النخب السياسية والثقافية والفكرية العراقية بشأن ماهية الهوية العراقية وجدل الهويات الفرعية وذلك بسبب العجز المعرفي لهذه الجماعات والضجيج والفوضى السياسية التي تلت سنوات الانهيار، إذ لم تقدم النخب العراقية إجابات واضحة بشأن نظام العقد الاجتماعي، وتحايلت على سؤال الهوية عبر سلسلة من عمليات (الإقصاء) و(التبرير) و(التجاهل) وتغيب واضح لكل خلاف فكري وثقافي ومرجعي، سيشكل مقدمة لصدام الهويات الطائفية داخل الجسم السياسي للدولة العراقية حيث أن التغييرات لم تمس النواة الصلبة والمتماسكة للبنى المؤسساتية (الاجتماعية، الاقتصادية، السياسية) ولم تخرج (بنية الدولة) عن النسق القبلي، العشائري والجماعات القرابية والنخب التقليدية والجماعات الطائفية في توزيعات السلطة.
هذه التوزيعات تمت تحت ضغط ديناميكيات التشكيلات القومية والدينية للمجتمع العراقي ما أدى إلى نمو العنف الجماعي الذي تشكل كنزاعات طائفية نتيجة تكريس هذه المركبات بوصفها مرجعيات مطلقة لدى الجماعات السياسية العراقية وظهور مكونين، «الطائفية الشيعية والطائفية السنية» وهما صياغتان للنسق السياسي، شكلا أزمة بنيوية مستديمة في حقل السلطة. وتجد هذه المكونات إشباعاتها في الأرضية التقليدية للبنى الاقتصادية والاجتماعية والأيديولوجية والسياسية وضعف الحراك الفكري وعدم تكوين الدولة الحديثة وتخطيطات الهوية الغامضة (إن هذا التصميم له علاقات واضحة بالجماعات البشرية التي من خلالها تتم عملية تحديد الهويات بالمعنى التأريخي) حيث تحولت الطائفية السياسية إلى نواة مطلقة للعنف والعنف الجماعي وأداة استراتيجية للسيطرة السياسية بين الجماعات العراقية الدينية الأصوليّة لماذا فُجِّر أكبر خزان للأساطير الما ـ قبل تأريخية وأُعيد إنتاج الظاهرة الأصوليّة داخل السيرورات الطائفية العراقية وتحولت إلى أديان مغلقة واستنفرت الطاقة التخيلية للمنظومات السياسية والسرديات الفقهية، والإرث الديني، والطبقات السفلى من تركيبات الجماعات الدينية الأصوليّة، ما مدى الارتباط بين ظهور النزعات الطائفية والانبعاثات الأصوليّة والنصوص السياسية والدينية والأيديولوجية للجماعات العراقية وقيام صدام الهويات الأصوليّة الدينية العراقية على تقنيات ومؤسسات وتركيبات اجتماعية؟ ما هي الأسباب التي جعلت الدولة منذ التأسيس العام 1921 تفتقد للخصائص السوسيولوجية والأيديولوجية، لتتشكل بنيتها على المجال الطائفي الذي يخترق الجسم السياسي للدولة العراقية؟ هل أدت البنية الأيديولوجية الطائفية لدستور 2005 دوراً في اتساع ظاهرة الحرب الأهلية والتشظي السياسي للمجتمع العراقي؟ ولعدم وضوح هوية الدولة الدينية أو المدنية؟
سياسات العنف الطائفي في العراق عموما وامتداداتها الراهنة أدت إلى خلق واقع سياسي جديد عبر ظهور (جماعات متخيلة) تستقطب الأفراد والجماعات من خلال آليات التمثيل لكون المجتمع العراقي لا يتوفر على نظام ثقافي مستقر يستطيع من خلاله تنظيم العلاقات بين الجماعات الدينية والسياسية ويعطل العنف التبادلي بين المكونات والتركيبات الدينية، وحيث تحول العنف في المجتمع العراقي إلى (عنف بنيوي) قائم على المقدس الديني الطائفي المنغلق وعلى رؤية عصبوية صلبة،كما ترى رجاء بن سلامة ، فالمؤكّد أنّ منظومة العقائد والأحكام والتّصوّرات الإسلاميّة قد تضمّنت عناصر أخرويّة تجعل الإنسان حيّا لكنّه على شفا الآخرة، بل تجعله يطلب الموت الأضحويّ، أو الشّهادة، وتجعله يقتل غيره في سبيل الإله. وفي هذا لا يختلف الإسلام كثيرا عن بقيّة الأديان الكتابيّة، لأنّ العنف والمقدّس متلازمان. الفارق يتمثّل في أنّ الإسلام لم يتطوّر بحيث يتمّ العدول نهائيّا عمّا تضمّنه من عناصر حربيّة تلغي الآخر. بل بالعكس، نجد اليوم مجموعات سلفيّة تعيد تفعيل هذه العناصر الآخرويّة المرتبطة بالعنف”. فإنّ صدام الهويات الطائفية العراقية بعد تفجيرات القبة العسكرية يؤشر إلى سيادة الرؤية اللاعقلانية الإقصائية التي تسعى إلى تقويض التنويعات الدينية لصالح خطاب ميتافيزيقي يقوم على الاستبعاد التيولوجي المتبادل في التصنيف ويحمي الجماعات السياسية من عمليات الاعتراض عليها بإضافة كاريزمات مقدسة.
يرى د. فردريك معتوق أن المعادلة الأساسية التي تطرحها سياسات العنف الأهلية معادلة مثلثة الزوايا، من ناحية أولى هناك دولة قد تكون قائمة على التعايش أو ضعيفة قائمة على الديمقراطية البسيطة ولكنهما بالضرورة وفي جميع الأحوال دولة وفاقية قائمة على اتفاق نصي أو شفوي بين جماعاتها السياسية، ومن ناحية ثانية هناك معارضة مسلحة وميليشيات تقوم ضمن الدولة ولكن ضدها على أساس أنها تجمعات سياسية وحزبية متمايزة بعضها عن بعض بأيديولوجية عدوانية، ومن ناحية ثالثة هناك المجتمع المدني الذي يتسم بالضعف.ويعتبر العنصر الأيديولوجي (الديني/ الطائفي) لا العنصر الاقتصادي هو الأساس الذي يتصدر قائمة الثوابت في النزعات البشرية كما يلاحظ مايكل مان، فمن دون أيديولوجيا مسلحة لا وجود لحرب أهلية فمن خلال هذه الإيديولوجيا تستطيع الحرب الدخول إلى النسيج الاجتماعي والهويات الجماعية وهواجس الجماعات وقد يكون العنصر الاقتصادي محركاً حقيقياً للنزعات الأهلية ولكن الخلاف في المصالح الاقتصادية لا يصبح مجالاً منفجرا للحرب الأهلية إلا بعد اقترانه بالخلاف الأيديولوجي.

خطاب التكفير المؤسساتي
شكل تجذر الولاءات الطائفية والدينية في النموذج العراقي بعد العام 2003 نمطاً من التشظي في الخطوط العرقية والمذهبية، تم استخدام هذه الانقسامات في الهويات الطائفية/ الدينية كأداة حشد وتعبئة سياسية. يحدد فالح عبد الجبار أن ما يدور في العراق عقب تفجير القبة العسكرية هو حرب أهلية مصغرة تقوم بها قوى أصوليّة سياسية لإعادة التوازن كجزء من إستراتيجية تهدف إلى تقويض المجتمع وتستهدف الأهداف المدنية (شيعي في منطقة سنية يقتل أو يطرد وبالعكس) وانتشار خطاب التكفير المؤسساتي داخل الأطر الثقافية العراقية، تحولت مجموعة الهويات العراقية الى تركيبات سرمدية متجوهرة وحقل صراعات دورية وصدام بسبب انهيار المشروع الليبرالي العقلاني ونمو الأصوليّات الدينية والنزاعات الطائفية. ورافق هذا الفشل انبعاث الهويات الفرعية، ولا سيما بين الجماعات العراقية، وهو يمثل هزيمة سوسيولوجية للدولة والإرث التنويري العراقي، حيث جرى الدمج القسري بين الدين/ السياسة وتحول السياسة إلى حقل مقدس والامتثال إلى دين الطائفة عبر إنشاء بنية مؤسساتية ذات نزعة عسكرية محاربة داخل الأديان الطائفية، فإن هوية الجماعات الشيعية نتاج للقوى الثقافية والدينية والاضطهاد التأريخي والشعائري والإقصاء عن الأنظمة الفكرية الإسلاميّة، إضافة إلى تراكم منظومة الرأسمال الرمزي والتي تبلورت عبر حقل التأريخ، فهي تمثل هوية جوهرية، متجوهرة، تفتقد للتشكيلات الاندماجية بسبب الصراعات بشأن (المواقع والهيمنة في السوق الرمزي) هذه الهوية تقوم على مخزونات ضخمة من الاستيهامات الذاتية والجماعية والوعي الاغترابي والتمزق ويعود إلى الظهور الدوري لشخصيات ورموز كارزمية في وعي الفاعلين الاجتماعيين السياسيين وتقوم على بنية مؤسساتية تستند الى طاقم ديني قادر على إنتاج وعي معين للاتباع في حين لم تتشكل هوية الجماعات السنية إلا تحت وطأة الصراعات السياسية الحديثة. لذا سادت الرؤية اللاعقلانية وتخلف سردياتها السياسية والأيديولوجية والدينية لصالح خطاب ميتافيزيقي ذي بنية إقصائية يسعى إلى تقويض الدولة العراقية إضافة الى افتقارها الى بنية صلبة.

القاتل التخيلي
من اجل تفهم طبيعة ظاهرة التكفير الإيديولوجي والديني بين الجماعات الدينية والسياسية العراقية وارتباط هذا الحدث بايديولوجية تخيلية تكفيرية تتسم بالبديهيات والاستخلاصات غير العقلانية وبالواحدية وهي انتاج تزاوج الخطاب الاسلامي الشمولي مع ايديولوجية كليانية سلفية وتستمد قوتها وفاعليته من الازمات البنيوية داخل المجتمع العراقي ، تقوم قوة المحاربون الطائفيون العراقيون على الحماسة الايديولوجي او قد ينكمشون في فزع على انفسهم او قد يزدادون تشبثا بعقائدهم المتآكلة أوقد ينقسمون على نصفين. يعيشون روحيا في الماضي وفيزيقيا في الحاضر والوقوع تحت قراءات لا عقلانية للنص الديني واعادة انتاج الاشكاليات التاريخية القديمة كما حيث يؤسسون مشروعهم الكفاحي ضد بانتاج تصنيفات تاريخية ثقافية ودينية مفصولة عن الارضية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للعالم الحديث مهووسة بالنقاء. نقاء العرق. نقاء الهوية. نقاء اللسان ورهاب من التطور والتجدد وهي فعل هاذ على الحداثة. كما يقول الاخضر هذه النقاوة هو الذي تحدد النسق الايديولوجي للاصولية ويعد احد التجليات الاكثر بروزا للعناصر الفاشية في الثقافة العراقية او نتاج مجال الكليانية الاسلامية المؤسسة على مسار غائي للتاريخ ، الخطاب الاصولي في يزج الجماعات البشرية في افق طوباوي لا يقدم حساباته الا أمام قوى المافوق ـ طبيعي. ومن هنا يتغذى هذا التيار الاصولي من فشل وعجز النظام السياسي ، عبر شيطنة( الاخر )العراقي وتأجيج الذاكرة التاريخية والفقهية والتي تحتفظ بقوتها الاستيهامية حيث تتوالد داخل العقل الجمعي الشعبوي وقد شكلت التنظيمات التي تمارس العنف والقتل شبكة مستديمة من الافكار والاوهام المقدسة والصور الزائفة وانماط التفكير والرؤى عن المجموعات الدينية والعرقية والاثنية والقومية. حيث اصبحت جزءاً من التربية الاجتماعية للفرد القاتل الذي يشتق هذه الخرافات عبر التقليد والتنشئة الاجتماعية يتخيل انها تشكل المعينات الحقيقة ومصدر الحقيقية ونقطة الارتكاز الثقافي. وتقيم نسقاً ايديولوجياً مغلق ونظام صارم من قواعد وآليات التكفير والمقدس والمدنس والطرد ومقولات وبناءات فكرية واشكاليات، مما جعل الاصولية العراقية تشكل احد ادوات الاستيهام في بناء الهوية داخل التكوينات المجتمعية لتأسيس سلطة سياسية وتحديدات الذات واحتكار المجال التيولوجي والانظمة الدلالية والرمزية وبسبب غياب التصورات الهرمية داخل بنية المجتمع العراقي وبروز الايديولوجيات الاصولية اصبحت عمليات الدمج بين ايقونتين (السياسية/ المقدس) مسألة محورية في اعادة انتاج التمايزات الثقافية وتشكيل الحقيقة عبر مجال القوى والممارسات السياسية عبر المتخيل الجماعي .
انحطاط الحقل العراقي انتج ظاهرة بمستوى (القاتل) وهي ظاهرة مجتمعية منفلتة اخلاقيا وجزء من اليات التربية الدكتاتورية العراقية ومؤشر على بلوغ الانحطاط المادي والمعنوي درجاته القصوى ما يعطي دليل على تمزق الشخصية العراقية نتيجة تقاليد الاستبداد السياسي الكلي والانحطاطات المعرفية وثقافة التجهيل الايديولوجي وتدني الوعي الجمعي وتمثل اقصى صيغ الرذيلة في العراق ،نقيض للانساني والواقعي والعقلاني.

محاولة في تفسير الوحشية العراقية
ان ظهور الانبعاثات الاصولية الدينية في الفضاء العام العراقي وانحسار النزعات العلمانية. اعطى للتطهير الاقصائي داخل عالم الطوائف العراقية قوة مهولة للتدمير المتبادل وذلك لان الدين الاصولي اخذ يحتكر مسوغات الشرعية السياسية مما يؤدي الى ظهور جماعات خيالية متجانسة ذات طبيعة عصابية تختزل العالم في ثنائيات مانوية شرسة وداخل لعبة الستراتيجيات السياسية والتماثل مع ايديولوجية خلاصية انقاذية. فقد تم تحويل اسماء الطوائف في الحقل الثقافي العراقي من هوية دينية الى دين الطائفة السياسي عبر استنفار الطبقات السفلى من التراثيات وصراع المذاهب وجعله جزءاً من الحياة اليومية والتداولات الثقافية والاجتماعية والسياسية وتمت ممارسة النفي والتطهير والقتل والتمثيل الذي يجد استعداداته التراكمية في البنى الذهنية الخاصة بالمجتمع العراقي والافراد الاجتماعيين الفاعلين. والذي هو نتاج حقيقة طويلة من التحلل الطبقي وضعف الثقافة المجتمعية وازمة المنظومة القيمية ويعاني من الطبيعة الهشة للنسيج الاجتماعي والاقتصادي بسبب التكوين الريعي بالاضافة الى مفاعيل تفكك علاقات الانتاج الاجتماعي المزمن وانهيار بنية التمدن وتغلب الميول والنزعات الوحشية الاجرامية في السياسة العراقية اما النخبة العراقية والتي هي وليدة الهوس الفوضوي والخمول السياسي والركود تفتقد للمشروع الفكري او الثقافي او الاقتصادي او المجتمعي ولاتمتلك الحلول والمخارج العقلانية للوصول الى تسويات وانما تعيد بناء ثقافات عدوانية تحولت الى السحل بالحبال والاغتيالات والتصفيات والابادات وهذا مايظهر ان الوحشية العراقية نتاج مجتمع قهري راكد داخليا وخطابات سياسية انحطاطية.

ترميم بيت الحيوان العراقي
كيف يمكننا الخروج من هذا الطوفان اللاعقلاني المثير للالتباس (العنف والوحشية والقتل والتمثيل بالجثث؟) وماهي الوسائل لاعادة تكوين انسانية الانسان العراقي؟وكيف تستطيع اعادة بناء وتشكيل هذه الكتل الخيالية المفترضة كمجتمع؟ هنا يكمن سؤال الثقافة ،قد تكون هذه الاسئلة وغيرها محاولة لترميم بيت الحيوان العراقي وهي مرتبطة بشكل ما بايجاد نظرية للشرعية الاجتماعية والسياسية وحل اشكالية ازمة الوجود الانساني وتحويل العراق الى سوق تنافسي لتعايش الافكار والايديولوجيات والمشاريع السياسية والاقتصادية والفكرية والتحرر من ربقة الانتخاب الطبيعي والفرق الناجية واشاعة ثقافة العيش المشترك بالاضافة الى كسر احتكار ثقافة الحقيقة الدينية والسياسية وترميم الحقل الثقافي العراقي.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة