تفجيرات مدينة الصدر العراقية عودة داعش إلى «إدارة التوحّش»

بعد خسارته لقدرته العسكرية وأراضٍ واسعة
جاسم محمد
طالما شهدت بغداد عمليات انتحارية نفذها تنظيم داعش ضد مقرات حكومية ومؤسسات أمن ودفاع خلال عام 2012 و2013، ضمن مرحلة «ادارة التوحش» وانتقاله الى مرحلة «التمكين» واعلان «الخلافة» في مدينة الموصل خلال شهر يونيو 2014. اليوم يعود التنظيم الى اسلوب العمليات «النوعية» بتنفيذ عمليات انتحارية، بعد ان خسر قدرته العسكرية واراضي واسعة كان يسيطر عليها في محافظة الانبار. ما يحدث الان من عمليات لتنظيم داعش يتناقض مع اعلان «الخلافة»، والذي يفترض ان لا يدير حروباً ضد خصومه بعد التمكين والاكتفاء بعمليات التحصن والدفاع، وفقاً الى اصدارات و»ادبيات» هذه الجماعة. تنفيذ هذا النوع من العمليات يعني عودة التنظيم الى مربع (الشوكة والنكاية) وهو المربع الاول في حركة التنظيم.
وهذا يعني ان عمل التنظيم سوف يعود الى تنشيط الخلايا داخل المدن والمضافات والتحرك بتنفيذ عمليات ضد مواقع عسكرية تقوم على تحريك جيوب وخلايا بهدف اضعاف معنويات الجيش العراقي ورجال الامن. واكدت صحيفة “الاندبندنت” البريطانية، في عددها الصادر يوم 5 يناير 2016 أن تنظيم “داعش” خسر 20% من الأراضي التي استولى عليها في سوريا، كما خسر 40% من الأراضي التي يسيطر عليها في العراق.

داعش يهاجم مواقع
للجيش العراقي
هاجم انتحاريون ومسلحون يوم 28 فبراير 2016 مواقع تابعة للجيش والشرطة العراقية على المشارف الغربية للعاصمة بغداد، فقتلوا 12 في الأقل من قوات الأمن وسيطروا على مواقع في صومعة للحبوب ومقابر. وهو الهجوم الأكبر قرب العاصمة منذ شهور. وقالت وكالة أعماق الإخبارية ، إن تنظيم داعش شن «هجوماً واسعاً « على أبو غريب. الهجوم استهدف مقراً للجيش العراقي وهو «لواء «22 في مدينة الكرمة التابعة الى قضاء الفلوجة على وفق حديث المتحدث الرسمي باسم مكتب رئيس الحكومة العراقية الى قناة العربية يوم 28 فبراير 2018 ولم يكن الهجوم في قضاء أبو غريب. وعلى اية حال ان كان الهجوم في مدينة الكرمة او ابو غريب فكلاهما يقعان عند تخوم بغداد ولا تبعد اكثر من 25 كلم عن العاصمة العراقية بغداد.
ويأتي هذا الهجوم بينما تستعد القوات العراقية لخوض معركة تحرير الموصل من قبضة التنظيم ومحاصرة القوات العراقية الى مدينة الفلوجة في محافظة الانبار والتي لا تبعد الا 60 كلم عن العاصمة العراقية بغداد والتي تعدّ معقل التنظيم. وذكرت مصادر من الجيش والشرطة بأن مهاجمين انتحاريين في سيارات ومترجلين هاجموا مواقع حكومية على بعد 25 كيلومتراً من وسط بغداد. وإن عشرات المقاتلين من تنظيم داعش في سيارات «همفي» وشاحنات صغيرة مثبتة عليها رشاشات هاجموا الموقع. يشار بان قوات مكافحة الارهاب العراقية اعلنت يوم 23 ديسمبر 2015 بان مدينة الرمادي مركز محافظة الانبار أصبحت تحت سيطرة القوات الأمنية عسكرياً بعد انهيار تنظيم داعش.
وفي مجال تحرير مدن الانبار، اعلن جهاز مكافحة الإرهاب العراقي يوم 28 فبراير 2016، عن محاصرة القطعات العسكرية لمدينة الفلوجة غرب الأنبار، التي تعد ابرز معاقل داعش، وقطع جميع خطوط إمداد التنظيم. ووصف قائد مكافحة الإرهاب، الفريق عبد الغني الأسدي، موقف تنظيم داعش في قضاء الفلوجة بالحرج جداً نتيجة تقدم القطعات الأمنية في الجانب الشرقي من المدينة وقطع جميع خطوط إمداد الإرهابيين واتصالاتهم. وأشار إلى اندلاع اشتباكات بين العشائر وتنظيم داعش في مناطق (كبيسة وهيت ) والمناطق الأخرى المسيطر عليها من قبل الإرهابيين.
داعش ينفذ عملية انتحارية مزدوجة في مدينة الصدر
وفي تطور لاحق استطاع تنظيم داعش من تنفيذ عملية انتحارية مزدوجة يوم 28 فبراير 2016، شرق مدينة بغداد، في مدينة الصدر. وأعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن التفجير الانتحاري الذي استهدف سوق (مريدي) بمدينة الصدر شرقي بغداد وأوقع( 90 ) قتيلاً وجريحاً. يذكر ان مدينة الصدر تعدّ مدينة مغلقة للمكون الشيعي، لكن طالما شهدت تفجيرات عدة على يد تنظيم داعش. التنظيم هذه المرة استعمل دراجتين ناريتين وسط منطقة مزدحمة، وهي اشارة الى ان تنظيم داعش لم يعد قادراً على استعمال السيارات بسبب وجود الحواجز ونقاط السيطرة. تجارب التنظيم عكست بانه يستعمل الدراجات، لتجاوز نقاط السيطرة وسلوك مداخل فرعية للنفوذ الى اهدافه. العملية هي استنساخ الى عملية تفجير منطقة حارة «حريك» في الضاحية الجنوبية لبيروت، خلال شهر يناير 2016 العمليتان متشابهتان من حيث الظرف وادوات التنفيذ وجهة التنفيذ.

ولاية الفلوجة
مازالت الفلوجة تعدّ «ولاية» ومعقل داعش في الانبار وتحت سيطرة التنظيم. اصبحت القوات العراقية، تتبع تكتيك قطع امدادات داعش ومقاتليه ضمن استراتيجية جديدة تقوم على قطع الامدادات وطرق الاتصال للتنظيم ومحاصرة المدن التي يسيطر عليها. أن فرض القوات الأمنية سيطرتها على بلدة (الكرمة ) في الفلوجة أبعد الخطر عن العاصمة خاصة ان داعش تستعمل بلدة الكرمة منطقة لإطلاق الصواريخ على بغداد ابرزها على مدينة الغزالية المحاذية للكرمة ومدينة الكاظمية الشيعية.
السؤال: من اين جاء مقاتلو داعش عند مهاجمة موقع (لواء 22) في مدينة الكرمة، برغم ان مدينة الفلوجة باتت محاصرة؟ إن مدينة الفلوجة بالفعل باتت محاصرة من جهاتها الاربع، وهذا يعني ان من نفذ العملية هم من مقاتلي داعش من خارج مدينة الفلوجة. مدينة الكرمة ربما تعدّ اكبر ناحية عراقية على الخارطة وتمتد على مناطق صحراوية مفتوحة مع حدود ادارية لمدينة بغداد عند مدينة الغزالية وابو غريب التابعة للحدود الادارية لمدينة بغداد وترتبط الكرمة بحدود مع محافظة صلاح الدين.
كشفت تصريحات مسؤولين عراقيين، بأن مقاتلي داعش، تسللوا الى الموقع العسكري، على شكل خلايا صغيرة، مستغلين جغرافية المنطقة الصعبة والتي يكثر فيها المبازل، وهذا يعني ان مقاتلي داعش لم يأتوا من مدينة الفلوجة المحاصرة بل من داخل بلدة الكرمة. وما يزيد في هذا الاحتمال ان شمال الكرمة منطقة الثرثار، هي ايضا تقع تحت سيطرة القوات العراقية والتي قطعت طريق امدادات داعش ما بين الانبار ومحافظتي صلاح الدين والموصل. إن ما يتميز به تنظيم داعش عسكرياً انه يوزع قوته العسكرية على المناطق ويناور ويدعم بعضها البعض بأوامر من قادته الميدانيين.
التوقيت: جاءت عملية مهاجمة الموقع العسكري في مدينة الكرمة وكذلك مدينة الصدر، في وقت يتعرض له التنظيم الى حصار في مدينة الفلوجة وكذلك في اعقاب خسارته الفادحة في مدينة الانبار وانتفاضة عشائر الانبار في كبيسة وهيت ومدن الانبار الاخرى ضد التنظيم.
الهدف : تخفيف الضغط عن مدينة الفلوجة المحاصرة، وبعث رسالة بأن التنظيم مازال قادرًا على تهديد مدينة بغداد وتنفيذ عمليات نوعية.
النتائج:
• إن التنظيم لم يعد قادراً على شن عمليات عسكرية واسعة، وما تم تنفيذه من عملية ضد مقر (اللواء 22 ) في مدينة الكرمة يعدّ تسلل بضعة عناصر من التنظيم تم القضاء عليها ومعالجة الخرق مباشرة.
• إن تنفيذ عملية انتحارية مزدوجة في مدينة الصدر ذات الغالبية الشيعية كانت متوقعة، في اعقاب خسارة التنظيم مركز محافظة الانبار، وفي اعقاب قطع اتصالات وامدادات التنظيم ما بين الانبار والمناطق الغربية الاخرى: مدينة ديالى وصلاح الدين والموصل. بات متوقعاً ان التنظيم غادر العمليات العسكرية الواسعة بسبب الرصد والمراقبة والضربات الجوية التي الحقت به من قبل التحالف الغربي وكذلك القوات العراقية على الارض. وهذا يعني ان العاصمة العراقية ممكن ان تشهد عمليات نوعية ينفذها التنظيم خلال هذه المرحلة.
• إن العملية الانتحارية المزدوجة في مدينة الصدر تعدّ خرقاً امنياً واخفاقاً من قبل القوات الامنية العراقية وحمايتها الى مدينة بغداد، علماً ان مدينة بغداد سبق ان شهدت عمليات مماثلة قبل اسابيع بتفجير احد الاسواق التجارية.

التوصيات
ينبغي على القوات الامنية العراقية، تأمين امن محافظة بغداد من الداخل اضافة الى تأمين اطرافها، وذلك من خلال نشر كاميرات المراقبة في الشوارع العامة، ونشر المصادر الاستخبارية البشرية اكثر من القوات العسكرية من اجل رصد وتعقب ودراسة أي خرق ومعالجته. واعتماد الحكومة العراقية على المعلومات الاستخبارية بتفكيك خلايا داعش والمضافات التي ممكن ان يستعملها هـذا التنظيم حتى داخل المدن المغلقة. وعلـى الحكومة العراقية تعزيز مسارها السياسي في مجال المصالحة الوطنيـة بعيـدا عن الطائفية.

* باحث في قضايا الإرهاب والإستخبارات

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة