تطوان والطبيعة وروح المدرسة الانطباعية

الفنانة المغربية ” محاسن الأحرش ”
خالد البقالي القاسمي
كاتب وناقد من المغرب
تتميز أعمال الفنانة المغربية “محاسن الأحرش” بالفتنة والألق والجمالية والإشراق، وجميع الزوار المولعين يبدون اهتمامهم وإعجابهم بمعارضها المتعددة التي نظمتها في مختلف مدن المملكة المغربية مثل مدينة “تطوان” ومدينة “طنجة” ومدينة “الناضور” وغيرها، بالإضافة إلى بعض مدن المملكة الإسبانية العريقة والمشهورة في مجال الفن مثل مدينة “إشبيلية”، الفنانة المقتدرة ظلت دائما مرتبطة بالخلفية الفنية التي تألقت داخل صيغها ومقولاتها والتي تتجسد في “المدرسة الانطباعية” مع بعض التطوير والإبداع والإضافة التي يمكن إرجاعها للبعد الاستنباتي الجمالي المنصهر مع الخصوصية المغربية والعربية.
لقد احتضنت الفنانة المغربية المدرسة الانطباعية ووظفتها في إبداع أعمالها المتعددة انطلاقا من حمل مرسمها والخروج به إلى الطبيعة عوض المراسم التقليدية في الغرف المغلقة، لوحات الفنانة تعتمد في إبداعها على إهمال الخطوط والاعتناء كثيرا بالمساحات الملونة من أجل إثبات الإحساس المنبثق من البصر الذي قام بعملية خطف الصورة بصيغة ضوئية في لحظة محددة ومحسوبة، وهو أسلوب دقيق تتقنه الفنانة المغربية جيدا وتبني به مجمل لوحاتها الفاتنة، كل هذا مع توظيفها للألوان المكملة والمقابلة لمثيلاتها الطبيعية كظلال ملونة بجوار الألوان الأساسية انطلاقا من إهمال اللون المركب ووضع لمسات بدلا منه تكون متقاربة مع الألوان الأصلية، مع الحرص على تركيب الألوان مباشرة من الأنبوب بواسطة أسلوب اللطخات وضربات الفرشاة أو السكين السريعة مكونة بذلك مساحات من الألوان التي يسميها الفنانون الانطباعيون الرواد “بقعا لونية” تكون غالبا صغيرة الحجم ومتقاربة مع بعضها البعض لكي تعلن عن ميلاد إحساس جديد مفعم بالراحة والتفاؤل بسبب اكتساح الضوء لجميع جوانب اللوحة الإبداعية، إن إتقان الفنانة المغربية “محاسن الأحرش” لعملها هو من صميم احترام وتقدير القواعد العامة التي تشرط المدرسة الانطباعية مع نوع من الانفتاح المشرق على الجو العام المغربي والعربي من خلال رسم لوحات حاملة لثقافة أصيلة مفعمة بالحضارة وعبق التاريخ، مع حرص الفنانة على تصدير دور الذات في بناء وهندسة مقولات مفاهيمية وجمالية دالة وجديدة.
تدل لوحات الفنانة المغربية على الحقيقة الناصعة التي تسكن قلب الطبيعة الخاصة لبلدها، وهي بذلك تشيد علاقة مباشرة ومتبادلة بين ذاتها والمواضيع التي ترسمها عن طريق إدراكها وأحاسيسها، ومن ثمة تباشر في كثير من اللوحات بإنتاج أفكار إبداعية مستحدثة ومحايثة للفتنة الطبيعية من خلال تدوين ورسم الظاهر والبارز منها انطلاقا من لمساتها الدقيقة المنسجمة مع توظيف الكثافة اللونية عن طريق ضربات السكين السريعة والمتوالية والمتواصلة، وهي بذلك تستمر في رسم الطبيعة وتجسيدها خلال جميع ساعات النهار، وتحب الفنانة كثيرا في لوحاتها تحقيق وتجسيد قوة الألوان الموجودة في اختلاط الضوء والظل الطبيعيين، وعندما تحولهما الفنانة إلى لوحة إبداعية تحقق من خلالهما عمق المنظور والصورة الممتدة ضمن مساحة ضوئية مفتوحة ومشرعة على كل معاني الإعجاب والإشراق، حيث يكون ضوء اللوحات وألقها شبيها كثيرا بالضوء الطبيعي، حتى نكاد نتصور أننا بصدد الحديث عن ضوء الشمس الذي ينطبع به كل شروق جديد، وهنا نقف على أنطلوجيا خاصة بالفنانة تكاد تثير فينا ذكرى العلامة الأصلية الأولى، العلامة الكبرى للمدرسة الانطباعية المجسدة في انطباع شروق الشمس في لوحة ” كلود مونيه” التي سميت المدرسة باسمها، وبهذا تحقق الفنانة المبدعة عمق الإبداع الفني عن طريق إثبات أهم شخصية في لوحاتها من خلال تسييد الضوء كمنجز فني بارز ومثير في لوحات الفنانين الانطباعيين.
لقد حافظت الفنانة المغربية ” محاسن الأحرش ” على مقومات ومبادئ المدرسة الانطباعية فابتعدت عن قواعد ومكونات المدرسة الكلاسيكية في الفن والإبداع، ووظفت أسس الأبحاث العلمية الحديثة التي دعا إليها الانطباعيون وخصوصا النظريات الحديثة الخاصة بتحليل الضوء، وعندما تنظر إلى لوحات الفنانة المغربية تلاحظ بجلاء آثار الفرشاة داخل المساحة الضوئية من خلال المزج البصري للألوان حيث تكتشف بأن اللون عبارة عن طبقة داخل فضاء اللوحة الفنية من حيث الاهتمام الكلي بالشكل على حساب الموضوع.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة