الدولة.. لا ناصر لها

مفهوم الدولة الحديثة، هو نتاج لتطور نوعي ارتقت اليه المجتمعات البشرية، بعد سلسلة من الثورات العلمية والقيمية والسياسية، بدأت بتشكيله الامم بنحو واسع وجاد بعد الثورة الفرنسية، التي منحت عالم اليوم معنى جديداً وثورياً للحياة وسبل فك الاشتباكات بين المصالح المتعارضة للبشر. وفي الوقت الذي وصل فيه جهاز الدولة الى مستوى من التناغم والانسجام مع حاجات المجتمعات المتعاظمة الى الامن والاستقرار والازدهار، نرى مصائره في مضاربنا المنكوبة قد انحدرت الى الحضيض، بفعل حزمة من العوامل الموضوعية والذاتية. تضافر شروط التخلف هذه، جعل من مهمة ولادة الدولة الحديثة في مضاربنا المنحوسة؛ مهمة شبه مستحيلة، وهذا ما تبرهن عليه مشاهد اعادة تدوير بضائع العبودية والاستبداد ذاتها، حيث نعيد انتاج نسخ مكررة من قراصنة المنعطفات التاريخية، خلف وابل من واجهات الحداثة الزائفة.
ولنا في تجربتنا “الديمقراطية الفتية” والتي اهدتنا اياها الاقدار العابرة للمحيطات مثال لا يتناطح عليه كبشان على مثل تلك القسمة العاثرة. برغم انف الصناديق المسلفنة وأجود انواع العبوات والاحبار البنفسجية ومفوضياتها “المستقلة” للانتخابات وجولات الاقتراع المتعددة والمختلفة، وبقية ملحقات العهد الديمقراطي ومدوناته الحداثوية، الا ان ممثلي المكونات والكونتونات لم يوفقوا في منح سكان هذا الوطن المنكوب؛ ما افتقدوه طويلاً (الدولة) بمعناها ومؤسساتها الحديثة. شاهدناهم جميعاً ينصبون سرادقاً تحتفي بمؤتمرات العشائر والقبائل بوصفها الشكل المبتكر لمنظمات المجتمع المدني، وغير ذلك من النشاطات، والتي حفزت ممثلي القبائل المنافسة للاعلان عن ابتكاراتهم المحلية، عندما قطعوا الطريق الدولي بمنصات وخطباء جعلوا المغفور له فولتير بجلال قدره ينكمش خجلاً من تلك الحماسة المنفلته من جوف اليباب. عقائد وخطابات منتهية الصلاحية مهدت الطريق أمام عودة؛ الفردوس المفقود (الخلافة) ومآثر الغزو والذبح والنكاح، وغير ذلك من الممارسات التي صخمت وجه “خير امة” الى آخر العصر والزمان.
ان معطيات وافرازات مرحلة ما بعد زوال “جمهورية الخوف” من احزاب وتيارات وكتل وزعامات وخطابات، جميعها تشير الا ان مهمة بناء الدولة العصرية ومؤسساتها تقبع في قعر اهتمامات فرسان حقبة التشرذم الوطني الحالية. لكن مع معطيات ما بعد جفاف ضرعنا الريعي، نجد انفسنا جميعاً أمام الفواتير الباهظة لكل ذلك التهور والاستخفاف بهذا الأمر الجلل والسبيل المجرب لنجاة المجتمعات والامم. سندرك جميعاً (قوارض ومستضعفين) حقيقة ان الوليمة قد زالت ولم يعد هناك ما يسد رمق القطط السمان وشراهتهم اللامحدودة. شروط حياة وتحديات تضع هذه المهمة الغائبة على رأس اولوياتنا، ان بقي لدينا كسرة من وعي وقرار، كي لا نفسح المجال للملاكات الجديرة بمثل هذه المهمات وحسب، بل نبحث عنها ونقف الى جانبها في وضع اسس الدولة الحديثة وترسيخ بنيانها وسلطاتها الثلاث على اساس الاستقلالية والمهنية والكفاءة. لا خيار أمامنا سوى الانتصار لهذا المشروع الذي بقي طوال أكثر من نصف قرن بلا ناصر، بعد سلسلة التجارب الشعبوية الخائبة التي ابتلي بها سكان هذا الوطن الذي عرفت تضاريسه باكورة الدول والتشريعات التي صاغتها ودونتها سلالات بني آدم في تاريخها المدني القديم..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة