العقل اليهودي واغترابه

في رواية (شوشا)..
تونس ـ عبد الكريم يحيى
رواية (شوشا/1978) للكاتب (إسحاق باشيفيس سنجر) هي رواية بطل يسرد بتقنية ضمير المتكلم وقائع حياتهِ منذ طفولته في الأحياء الفقيرة التي يقطنها اليهود في بولندا، حيث تبدأ جميع المشاهد والمفاصل بفعل مضارع فاعله ضمير مستتر تقديره أنا يعود إلى البطل الذي يفرض على القارئ وجهة نظره في إطار واقعي بأسلوب نقدي انبثقَ ربما عن رغبة الروائي القوية في الحضور عائداً من ماضيه بإعادة استحضارهِ صوراً منتقاة وتعديلها بما يتوافق مع ذاكرة البطل ليؤرخ جانباً من حياة اليهود كجزء من الحياة السياسية والأدبية في وارسو(1917- 1938) وفي أحداثٍ عاشَ الروائي الجزء الكبير منها، ونحن إذ نهتم بمقاصد المؤلف الروائي فإنما ذلك استناداً إلى القصدية كمفهوم ظاهراتي (طوَّره أدموند هوسرل.. في أنَّها سوف تؤثِّر في التأويل العملي من خلال تسويغ اللجوء إلى مواقف المؤلف الخاصة واعتقاداته بصدد عمله بوصفهِ خطوة جديدة).
ما هي التفسيرات المحتملة لأسباب انغلاق المجتمع اليهودي على نفسه، وعدم انفتاحهِ على الآخر؟ ما هو السياق التاريخي والاجتماعي الذي سمح باستمرار هذا الانغلاق إلى الآن؟ ما هي السرديات الأسطورية الكبرى التي ظلت متماسكة في التراث اليهودي وتناولها الروائي عن طريق بطله هارون؟ هل نعرف المجتمع اليهودي؟ ما هي مصادر معرفتنا؟ في السياسة تُطرَح أو تُنتَج معرفتنا باليهود بحسب المصلحة وغالباً ما تتأرجح المعرفة لدينا ولديهم بين ذاتانية متطرفة وموضوعانية متطرفة أيضاً، والتطرف والمغالاة موانع ضد العلم والمعرفة. محاولة لتتبُّع تفاصيل الحياة اليومية الصغيرة التي تكشف البيئة التي شاركت في تكوين شخصية اليهودي وأسهمَت في تكوين وعيهِ بذاتهِ وبالآخر المختلف وبالعالم الخارجي، باعتبار الرواية حدثاً سوسيولوجياً من المجتمع إلى المجتمع. وقد وصفَ الروائي إسحاق باشيفيس سنجر في رواية (شوشا) الظروف التي جعلت هارون يرفض مغريات الزواج بالأمريكية بتي حتى وهي تمثِّل طوق النجاة من بؤسهِ، ويُفضِّل شوشا رغم كلِّ شيء، كنوع من الانغماس في الحرمان والاضطهاد أو لأنَّها ليست ضمن الآخر المختلف، أو للأسباب التي ذكرها هو. ويظهر أثر المكان والبيئة الثقافية في التقلبات وتناقضات إدراك الذات وعلاقتها مع الآخر المختلف، التي طرأت على شخصية اليهودي كبطل روائي: يعيش في مجتمع يهودي مضطهد ومهمَّش يعاني القلق الاجتماعي والاكتئاب في بولندا، وصراعه مع أحلام الهجرة إلى تل أبيب، أو إلى أمريكا.
أشر الروائي حالة انفصال بين المواطن اليهودي وبين مؤسسات الدولة البولندية والمجتمع كمؤسسة أيضاً كان يمارس ضغوطاً على اليهود بقمعهم كمحاولة لصهرهم في المجتمع البولندي الذي يعلم جيداً أنَّ اليهودي لن يكون ولاؤه لوطنهِ الذي يعيشُ فيه أبداً. لكن البطل كان يعاني اغتراباً منذ طفولته داخل عائلته، وداخل حيِّهِ اليهودي أيضاً (لأني ابن حاخام أرتدي ثوبا طويلا من الجبردين وطاقية من المخمل، فكانوا يتهكمون علي بألقاب مثل: ذو الزي التنكري، الحاخام الصغير) .
شوشا: الطفلة الساذجة ترفض الزواج بالساعاتي رغم ثروته ولطفهِ، لأنَّها تنتظر هارون المُثَقَّف، يحدث انقلابا في حياتها، بعد الزواج حيث يكبر عقلها وشعورها بالمسؤولية. هارون جريدنجر في حياتهِ حبُّ خَمْسِ نسوة، شوشا ثم دورا ثم سيليا ثم الأمريكية بتي، وبين ذلك يُعجب بالخادمة تيكلا التي تخاف سيدة النزل.
شوشا الزوجة العقيم: طفلة لا تنمو، ولا يمكنها الإنجاب لصغر حجمها، في السابعة ينجذب إلى الطفلة شوشا التي ورثت سذاجة أمِّها، يفترقان بسبب الحرب والتهجير، ويزعجه (انطباع في ذهني بأنَّ شوشا لم تعد حيَّة). بعد عشرين سنة يقف أمام باب الشقة التي انتقلت إليها شوشا ليجدها(أشبه بطفلة متخلفة عقليا وجسمانياً) هذا الرمز الفنتازي للمرأة المُحرَّم عليها قراءة التوراة باعتبارها نجساً، وفي هذا الرمز الفنتازي تناص مع بطل غونترغراس أوسكار ماتزيراث.

مصادر اغتراب اليهودي
إنَّ نظرة إلى العقل اليهودي من خلال وجهة نظر أحد أبنائه الروائيين، قد تجعلنا نقف على بعض الأسباب الكامنة للرفض المتبادل بين اليهودي والآخر المختلف، سواء لمجرَّد الاختلاف الديني فقط باعتبار الآخر المختلف عند اليهودي جوييم، أو لأسباب أخرى كالحرب والحالة الاقتصادية وطريقة الملبس والسلوك وغير ذلك.

البعد الزمكاني خلق ذاكرة
أجيال متخمة بالاضطهاد
مقارنةً بزمن كتابة النص أو نشره 1978 مقارنةً بزمن القراءة الآن، والذي يستهدف الروائي إلغاءه ليندمج القارئ مع زمنهِ بعد تعطيل حاسة الارتياب وتقوية وهم الحضور داخل الزمن الروائي الذي يكسر انسيابية الزمن الواقعي، بحسب حاجته إلى العودة إلى الماضي، ليسرد طفولته مع شوشا، أو التقدم إلى الأمام بقفزة كما في الخاتمة (مضى ثلاثة عشرَ عاماً…وإنَّها لتجربة أنْ أرى اللافتات العبرية تعلو الدكاكين، والشوارع تحمل أسماء الكتاب والحاخامات والقادة، وأنْ أسمعَ العبرية تُنطق بطريقة اليهود الشرقيين) وقد يتوقف ثلاثين صفحة أو أكثر ليصفَ مشهداً واحداً. كتبَ سنجر أربعـة عشـرَ فصلاً وخاتمـة، بـدأت الأحداث بتيـار وعي 1918 ثم قفـزة عشريـن سنة إلى 1938، ففي بداية الرواية كان عمر هـارون ثلاثين عامـاً، فبـدأ بتيـار الوعـي يحكـي طفولتـه مـع شوشـا قبل ذلك بعشريـن عامـاً.
وكأيِّ حرب هرب الناس إلى أقربائهم في الريف (غادرت عائلتنا وارسو عام 1917 وانتقل والدي إلى قرية يحتلها النمساويون لأنَّ الطعام هناك أرخص، وكان لأمي أقارب في ذلك الجزء من الريف). ثمَّ قام بقفزة ثلاثة عشرَ عاماً ليكتب الخاتمة عام 1951، وعمر هارون 43 عاماً، ليدور حديث بينه وبين هايمل وزوجته الجديدة جينيا حيث التقاهما في تل أبيب ليتحاورا عن وفاة الأصحاب: سيليا ماتت، شوشا ماتت في الطريق بعـد يـوم من مغادرة وارسو. بتي أرسلت تزوجت عقيداً في الجيش الأمريكي وأرسلت إقراراً، وانتحرت عام 1950.
والدته وشقيقه موشي أنقذهما الروس في قطارٍ للمواشي ثم تركاهما في غابة ثلجية وحدهما ليموتا برداً. في الرواية مشاهد ساحرة بفوضى أليفة من روائح الطبيخ البطاطا والحمص والفول والفكاهة والسخرية من الميتافيزيقيا والسحر والتنجيم(مع رائحة مبيد بشري أو بق)(123) وتفاصيل الحياة اليومية السطحية البسيطة المتحركة بسلاسة سردية إلى الأعماق، وشخصيات ساحرة كالدكتور فيتلزوهن الناقد الأدبي الصَّارم والرجل العبثي، والمتناقض يخاف القطط السوداء ويحمل أنواع التمائم والتعاويذ، وكان عضوا في تحرير جريدة ييدية في نيويورك، تركها وعاد وفي كلِّ مرة يسأله هارون عن سبب عودته من الأرض الذهبية يخبره سببا مختلفاً.
*********************
إسحاق باشيفيس سنجر
صحفي وكاتب روائي يديشي. وهو شقيق الكاتب اليديشي إسرائيل سنجر. وُلد في بولندا لأسرة حاخامية، وكان أبوه يعقد بيت دين (محكمة شرعية) في منزله. وتلقى باشيفيس تعليماً دينياً تقليدياً، وانغمس في الدراسات القبَّالية، إلا أنه درس أيضاً بعض العلوم الدنيوية. وتركت فيه هذه العناصر المختلفة والمتناقضة أعمق الأثر.
هاجر باشيفيس سنجر إلى الولايات المتحدة عام 1935، وبدأت رواياته تظهر باليديشية (على هيئة حلقات في الصحف اليديشية) وكذلك بالإنجليزية، أي أنه كان يكتب لجمهورين مختلفين. ويُلاحَظ أن باشيفيس سنجر يربط بين العنصر الشيطاني البروميثي والجنس، وهذا يعود إلى أثر القبَّالاه فيه. وقد نُشرت أولى رواياته في الولايات المتحدة عام 1950 وهي رواية ملحمية واقعية عن وارسو قبل الحرب العالمية الثانية. وقد ظهرت روايات عديدة لباشيفيس، الضيعة (1967)؛ وهي رواية واقعية تؤرخ لأسرة يهودية بولندية في القرن التاسع عشر، ولكنها رواية مُفكَّكة في بنيتها، ثم ظهرت لها تتمة بعنوان الضيعة (1970). أما رواية ساحر لوبلين (1960)، فهي تتناول مرة أخرى الموضوع الفاوستي ومخاطره.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة