التكنوقراط

وجه التعارض بين المفهوم الشمولي والنهج الديموقراطي السليم
د. مهدي الحافظ
أثارت تصريحات وبيانات رئيس الوزراء حيدر العبادي الكثير من اللغط وسوء الفهم بالدعوة الى حكم “التكنوقراط” في العراق. وهو أمر يحتاج الى ايضاح كاف حتى يمكن تفادي أية صعوبات واشكاليات في الممارسة المنتظرة.
هذه المسألة تطرح بوضوح التعارض الكامل بين المفهوم الشائع عن النظام الشمولي في ضوء الممارسات التقليدية التي شهدتها البلدان المبتلية بهذا النوع من الممارسة السياسية. وأهمها الأنظمة التي سادت البلدان الاشتراكية السابقة وكذلك النامية ممن سارت على هذا النهج الضار. وهنا يأتي التمسك بما يسمى ب “اختيار التكنوقراط” من قبل هذه الأنظمة.
ونحن في العراق ابتلينا ايضا” بهذا النوع وأصبح دعامة أساسية في ادارة الدولة منذ أن جرى التغيير العام في نيسان 2003 . فالوزارات والرؤساء جميعهم والمؤسسات الحكومية المستقلة والمحافظات والجيش والأمن العام والمشاركون بأغلب الشؤون العامة كان وما يزال يتبع هذه الممارسات الغريبة. وكان هذا سببا” مباشرا” لقيام حالة التفكك في بناء الدولة وابتغاء بل ودعم أوجه الشذوذ في ممارسات وسلوك الكثير من أركان الحكم ولاسيما في المجال الاقتصادي والمالي والمصرفي. ان أغلب القوانين والأوامر الادارية كانت ومازالت انعكاساً لهذه الممارسة. ولكن ما السر الحقيقي في مفهوم التكنوقراط ؟. أنه من دون شك دليل قوي على تأكيد حكم الأقلية أو النخب السياسية أو حتى الفرد في قيادة الدولة. ويترتب عليها الشروع بالقوانين والأوامر ما يؤكد هذه الممارسة.
ولكن ما السر الحقيقي في مفهوم التكنوقراط ؟. أنه من دون شك دليل قوي على تأكيد حكم الأقلية أو النخب السياسية أو حتى الفرد في قيادة الدولة. ويترتب عليها الشروع بالقوانين والأوامر ما يؤكد هذه الممارسة. لقد عانينا الأمرين وما زلنا نعاني من الاصرار على هذا النهج المضاد لادارة الناس والحكم الديموقراطي السليم. فلم يطبق اقتصاد السوق ولم يجر الاهتمام الكافي بالقطاع الخاص، وأهملت السياسات النقدية والمالية الى الحد الذي هدد الموارد المالية للبلاد وأضعف القطاع المصرفي الأهلي.
حكم التكنوقراط هو مفهوم أجنبي ويعني بالدرجة الأولى التوجه لاختيار أصحاب الكفاءة والخبرة والاختصاص في اشغال المراكز المهمة للدولة ابتداءا» من الرؤساء وحتى أصغر منتسبي الدولة. ويصاحب ذلك اصدار القوانين والأوامر الضرورية حسب التفاصيل بما في ذلك الدستور والبرلمان والقوانين الفرعية. وهذه في الواقع هي تعبير كامل عن حكم الفنيين من ذوي الاختصاص والدراية والخبرة ووفقا» لمبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين، ويرتبط ذلك بوضع أنموذج اداري لعموم الدولة وازالة سوء الادارة في اغلب المؤسسات .
ان مراجعة قواميس السياسة والنظرية السياسية تؤكد على أن التكنوقراط هو مفهوم مركب من: تكنو (Techno) و قراط (crat) أي أن التكنوقراط يعني حكم الفنيين اوأصحاب الكفاءة . والمقصود بذلك هو تأكيد مبدأ حقوق الأنسان وتكافؤ الفرص بين أبناء المجتمع. وهو ايضا» ميزة للأنظمة الديموقراطية في العالم الحريصة على حقوق أبنائها والافادة من الامكانات والميزات الحسنة لديهم في ادارة الدولة ومؤسساتها. وكان ينبغي أن يؤخذ به في الماضي القريب. الا أن تعنت بعض الفئات الحاكمة قد أجهض هذه الامكانية وأدى الى الأخذ بالمفهوم الشمولي للدولة. فلا يستطيع أحد أن يتصور ان المرافق الرئيسة للدولة موزعة الآن على ممثلي الأحزاب الدينية والأثنية (الكردية) من دون اعتبار لمبادئ المساواة بين المواطنين وتحميل الاداء الحكومي وبال خطر ليس من حيث الكفاءة وسلامة الأداء واحترام المواطنين من دون تمييز أو تحيز فضلا» عن انتشار الفساد بجميع انواعه. لم يعد الآن لدينا دولة متماسكة ولا مصالحة وطنية راسخة ولا أداء اقتصادي رصين. فالاقتصاد الوطني يعاني اليوم من محنة كبيرة بسبب انخفاض اسعار النفط والتخبط بسياسات اقتصادية وتمويلية تترك عواقبها الوخيمة على حياة الناس واستقرار البلد وفتحت الطريق لاحتلال غاشم لبقعة كبيرة من أرض العراق كما تعمقت حالة الانقسام الداخلي بين الاقليم والدولة وتطور ذلك الى خلافات بل تصادمات في السياسة المالية وأوجه الرقابة الوطنية المشتركة. فالانقسام الوطني الآن معضلة كبيرة لاينبغي الاستهانة بها أبدا» وهي تتطلب أن يجري التوصل الى سياسة عقلانية مسؤولة وحريصة على وحدة البلاد واستعادة الكيان الموحد للدولة العراقية. أن احاديث رئيس الوزراء حول هذه النقطة مهمة وصالحة وينبغي التمسك بها بغية اخراج البلد من المأزق الراهن واقامة ادارة حكومية مجدية وسليمة. لكن التخبط يحبط هذه الدعوة بسبب عدم وضوح الأسس الوجب اتباعها وأهمها نبذ المحاصصة الطائفية والأثنية والتمسك بقواعد سليمة لبناء الدولة واختيار العناصر الكفوءة حقا» للمشاركة في حكم البلاد. فقد أشيع مؤخرا» بأن وفدا» حكوميا» قد شكل للاتصال بالكتل البرلمانية الكبيرة وعدم الاشارة الى أن البلد برمته من فئات اجتماعية ومثقفين (رجالا» ونساءا») وسواهم معنيون بهذا التوجه الكبير. فلا يصح أن يقتصر الاتصال فقط بالكتل الكبيرة في البرلمان. فهنالك أيضا» اوساط مستقلة ومتنفذة ينبغي أن يكون لها رأي بذلك. وهنا تبرز الحاجة الملحة أن السيد رئيس الوزراء يكون متجاوبا» مع هذا التوجه وجعل مبادرته الكبيرة هذه نقطة تحول أولية للانتقال من الحكم الشمولي الى النهج الديموقراطي السليم. وهذا ما تكرر كثيرا» في بعض الأجهزة الاعلامية واللقاءات الخاصة مع المسؤولين ورئيس الوزراء شخصيا». فلا يمكن أن نتصور هذا التحول أن يتم ما لم يخرج رئيس الوزراء من دائرة التطويق حوله التي تفرضها الفئات الحاكمة حاليا» وترفض الانتقال الى الممارسات الديموقراطية وحكم الأكفاء وذوي الخبرة من المواطنين، أي تتمسك بالمفهوم الشمولي للدولة المرفوض عالميا». فهنالك عدد كبير من الاصلاحات مطلوب تحقيقها على وفق مبادئ الحكم الرشيد والدراسة المتأنية وبعيدة كل البعد عن الانحيازات للأفراد المقربين وتأكيد مبدأ التساوي أمام جميع المواطنين والتمسك بالتوافق الوطني غير الطائفي. هذا هو النهج الذي ندعو له ونتطلع الى اقامة دولة قانون وعدالة حقيقية ومساواة بين ابناء البلد.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة