الأخبار العاجلة

شلع قلع

بالرغم من شعبيتها الساحقة، حيث غالبية سكان هذا الوطن المنكوب يعتقد في قرارة نفسه بحقيقة كونها العلاج الوحيد لخيباته العضال؛ ولا أصلاح ممكن مع ما يجري على تضاريس العملية السياسية من “التغيير” حتى اليوم؛ بغيرها “شلع قلع” ومن دون استثناء؛ الا ان تحويل ذلك الى واقع غير ممكن من دون حصول معجزة في زمن جفت فيه المعجزات. ان صعود هذه القوى والزعامات والخطابات يعد بحد ذاته تتويجاً وامتداداً لمشوار طويل من الهزائم على مختلف الجبهات عشناه جميعاً، كما ان تدخل المشرط الخارجي لاستئصال آخر ابتكاراتنا الكارثية “جمهورية الخوف” هو رد فعل طبيعي من المجتمع الدولي لمعالجة غدة تقيحت وتجاوزت حدودها المحلية. ما جنيناه بعد “التغيير” لم يكن مفاجئاً للمتابع الحصيف للمشهد السياسي والمعنوي وتحولاته الدراماتيكية خلال العقود الأخيرة، ومن قاوم النظام المباد على اساس البرنامج والقيم الاجتماعية والفكرية الواقعية لا الاسطورية وغيرها من العقائد والحسابات الفئوية الضيقة؛ يدرك ان القوم ومن مختلف الأزياء والرطانات لا يملكون غير “بضائع الموتى” ليقدموها لشعوب وقبائل أدمنت على اجترار حشائش الانتظار.
مع مثل تلك البضائع وصلنا الى ما نحن عليه اليوم من فشل وعجز، كشف عن كل ملامحه البشعة، بعد جفاف وانهيار أسعار معيلنا الريعي (النفط). العجز العضال (وقد جف حبرنا من التكرار الممل لها) يستقر هناك في المكان الذي أشار اليه حكيم المعرة (ابو العلاء) واعاد صياغته ديكارت (أنا افكر اذن أنا موجود) ذلك المكان (العقل) والذي تعرض مع الضمير الى أبشع الانتهاكات زمن هيمنة ذلك الجرذ الذي انتشل مذعوراً من جحره الأخير. مع مناخات الضياع والغيبوبة وهموم القرن السابع الهجري والآيديولوجيات النافقة، لا يمكن تأمل مثل هذه القفزة النوعية وبرنامجها الجذري (شلع قلع) وحسب، بل حتى “اضعف الايمان” وما تمثله فزعة السيد العبادي الأخيرة للاصلاح. ولا يحتاج المتابع الموضوعي لجهد كبير كي يسبر نوع الرسائل التي حملتها ردود أفعال الكتل المتنفذة وحيتانها، تجاه مثل تلك التوجهات المارقة. حيث الاستراتيجية المجربة نفسها (تأييد الاصلاحات) أولاً ثم الاستدارات المميتة ومرافقتها الى مثواها الأخير.
مأساتنا الوطنية تكمن في هذه المفارقة القاتلة؛ تضحيات هائلة وصفحات مشرقة من الايثار، لكنها وبفعل ضحالة الوعي وغياب المشروع الحضاري، تتحول الى تضحيات مجانية، وغالباً ما تقع في أحابيل المؤسسات والقوى المتخصصة في تدويرها لاعادة انتاج نظم العبودية والتخلف والقهر. مرة اخرى نقولها (بالمفشك)؛ لا يمكن للسنة الانتصار على الشيعة، ولا الشيعة على السنة وكذلك الأمر بين العرب والكورد وباقي الطوائف والاقوام والملل، لسبب بسيط واحد لا شريك له؛ لأن متطلبات عصرنا قد تجاوزت مثل هذه الهموم منذ زمن بعيد، ومن يرهن نفسه لمشيئة المؤمياءات لن يحصد غير ما نعيشه اليوم من فصول همجية استنكرها حتى المنتسبين لمملكة الحيوان، وستكسبنا لاحقاً لعنة الأجيال المقبلة. علينا الاعتراف بان سلاح الدمار الشامل هو غير ذلك الذي استزفت فرق التفتيش طاقاتها في البحث عنه، لانه موجود في هذا العجز الشامل الذي يلفنا جميعاً كتل وزعامات وأفراد وجماعات، وسيكون أمر البحث عن معارضة واقعية لما وصلنا اليه، هو عبث آخر على هذا الطريق الطويل والمرير من الخيبات..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة