إقليم كردستان بعد اقتراح «النفط مقابل الرواتب»

اثار الاقتراح الاخير لرئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الذي تم اختصاره بصيغة «النفط مقابل الرواتب» نقاشات عميقة في الشارع. ويستدل من طريقة تقديم العرض بنحو علني ومن خلال التلفزيون، وليس كتابة وفي اجتماع رسمي، ان القضية تجاوزت كونها مجرد اقتراح اعتيادي.
وعد رئيس الوزراء انه في حال سلمت كردستان نفطها لبغداد، فأنه على استعداد لدفع رواتب الموظفين وقوات البيشمركة. وهذا الوعد صار حجة عليه وهو يعلم منذ البداية ان وعده سيصبح حجة عليه.
لا يمكن انكار ان اقتراح العبادي قد تسبب في احراج حكومة الاقليم، لاسيما وان العبادي وبطريقة غير مباشرة مزج اقتراحه بالسخرية من حكومة الاقليم التي لم تعد قادرة على دفع رواتب موظفيها من عائدات بيع نفط الاقليم وكركوك وصارت تئن تحت اعباء الديون المتراكمة.
ويشوب البيان الصادر عن مجلس وزراء الاقليم في 17 شباط قدر كبير من الاستياء وصل حد وصف الاقتراح بالمزايدة السياسية الرخيصة. لكن الجانب المضيء من البيان يتمثل في قبول حكومة الاقليم اقتراح العبادي. وهذا في حد ذاته خطوة جيدة لكن المهم ان يتمكن الطرفان من التوصل الى اتفاق وتوافق على التفاصيل.
وبغض النظر عن التفاصيل، فأن قبول حكومة الاقليم باقتراح العبادي يمكن ان يكون في حد ذاته اعترافاً بفشل السياسة التي تتبعها وزارة الموارد الطبيعية في الاقليم فيما يخص تصدير النفط من دون تنسيق مع المركز. لكن لب الموضوع ليس الاعتراف بفشل تلك السياسة، وانما تحديد ما اذا كانت هناك فرصة لاعادة الاقليم الى الطريق الصحيح والتخلي عن التفاخر بوضع الاقليم على الخريطة العالمية للطاقة.
من الواضح ان السياسة التي انتهجتها وزارة الموارد الطبيعية قد خلقت للاقليم التزامين مزدوجين، الاول تجاه تركيا التي يمر عبرها نفط الاقليم والثاني تجاه شركات النفط العاملة في الاقليم. فاذا تمكن الاقليم من التخلص من هذين الالتزامين، فأن من المؤكد ان نصف المشكلة تكون قد حلت، اما اذا لم يكن في مقدور الاقليم التحرر من هذين الالتزامين، فأن ذلك يعني ان المشكلة اعمق مما كنا نتصورها. ولا يبدو فهم هذه المسألة سهلا لأن عدم وجود شفافية في هذا الموضوع يشكل عقبة كأداء امام معرفة التفاصيل.
ويمكن النظر الى المسألة من الزاوية السياسية. لا ريب ان الاقليم مستفيد من تطوير علاقته بتركيا، لكن يجب الا ننسى ان اتجاه الاحداث في المنطقة وصراع القوى العالمية والاقليمية فيها وصل حدا لم يعد فيه ممكناً عدّ ارتباط الاقليم بتركيا مقبولا. وصار هذا الارتباط في الظروف الراهنة عبئاً يثقل كاهل حكومة الاقليم بحيث انه على الحكومة ان تتخلص من هذا العبء. وربما يكون اقتراح العبادي عاملا يحث حكومة الاقليم على اتخاذ قرار جريء بهذا الصدد.
من جانب آخر، يمكن لأي تفاهم مرتقب بين بغداد والاقليم ان يصبح مناسبة لتوجه الاقليم نحو مراجعة جوهر العقود النفطية الموقعة بنحو يضمن مصالح الاقليم بنحو افضل. عمليا، صارت الالتزامات المترتبة على حكومة الاقليم سببا في تورط الاقليم في مشكلات داخلية وخارجية عديدة، كما ادت الى تراكم الديون على الحكومة ووجدت الحكومة نفسها مجبرة على تكييف سياستها مع السياسة التركية، خصوصا تجاه ايران وروسيا والاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة الاميركية والحكومة العراقية وحزب العمال الكردستاني والازمة السورية وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري. لا ريب انه على الحكومة ان تتخذ قراراً بهذا الشأن او تجد سبيلا آخر للخروج من الأزمة المالية.
فريد اسسرد

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة