الأخبار العاجلة

فوق بلاد السواد(2)

اذا لم نعتقل الجريمة ويتم محاكمتها وينتزع حق الضحية فأنها سترجع بشكل أقوى وأبشع كما حدث عندنا لما بقيت جرائم البعث وصدام تسرح وتمرح بتشفي وشماتة عادت علينا بعد الفين وثلاثة بحكام انذال وخراتيت يقلدون الجلاد خفية ويسبونه جهرا كما عادت الجريمة بشكل جديد يسمونه(داعش). في الذاكرة الجمعية وفلسفة الثقافة لا يوجد: عفا الله عما سلف ولا المسامح كريم و(اقلب صفحة) والترحم على الميت. بل توجد عمليات جراحية كبرى للجريمة.. كيف نمت في رأس الجلاد وأي بيئة وظروف وحاضنة رضعتها وربتها وسوغتها؟ مع أسئلة كثيرة يطرحها المفكر والكاتب والصحفي في صالة العمليات الثقافية حتى ينبهوا الناس السذج ويكشفوا لهم الرحم الذي أنجب الجريمة ليتم علاجه من وباء ولادة القتلة والجلادين كما يحدث الان في اوروبا واميركا حيث لم يشبع الفن والادب والصحافة والاعلام من فضح النازية بعكسنا تماما إذ حالما نكتب قصة قصيرة وقصيدة عن البعث وصدام يتأفف السذج والاغبياء وهم يسخرون( اوووه شكد قديم)، لكن قصص(فوق بلاد السواد) للكاتب ازهر جرجيس تعيد انتاج ما حدث في العصر الزيتوني بثوب جديد من السخرية والتهكم وكأن الحدث صار توا الان. هنا يلعب الفن الدور الحاسم في تحويل القبح الى جمال والكابوس الى نكتة سوداء يضحك الجميع اثناء قراءتها ويبكي. من هنا تبدأ كتابة الصدق المرح الشفيف لا الصدق المزعج الثقيل الذي يطرد القراء ويدمر مصداقية الحدث ويشوه شخصياته، وهذا هو الفرق بين الغشيم والمبدع الذي يسأل نفسه دائما: (كيف أكتب لا فقط لماذا اكتب) ويشتغل على موهبته ويصقلها ويشذبها وهو يتذكر ادسون العظيم حين يقول: الموهبة عشرة بالمئة والسعي والعمل تسعين بالمئة. طبعا اذا عثر على مفاتيح لغة خاصة به واسلوب يحمل بصمته.ولو ركزنا هنا على اللغة العربية التي حاول الجاحظ معالجة أمراضها المزمنة وكذلك الدكتور علي الوردي والكاتب الباحث هادي العلوي ومن غير العراقيين العفيف الاخضر إذ اكتشف هؤلاء ان قريش تكتب معهم كل كلمة يسطرونها وان اسواق يثرب تنادي في قلب اللغة فكيف يكتبون عن المدينة بقلم البادية وكيف نعرف معنى السينما والالكترون والكمبيوتر والانترنيت بلغة الزمخشري وهو كاعد لنا ركبة ونص ويزمخ علينا كلما حاولنا تغيير مفردة، العربية لغة صحراء وسيف وبعير، وأي نص قديم بحاجة اليوم الى مترجم وشرح وتوضيح والكلمة معناها.ولكن هنا في العراق جعلنا للغة صفة شعبية محلية بعدما انزلناها من برج التعالي الاجوف والكبرياء الزائف الى تراب الشارع حتى ان القاص بطاقته الروحية الساخرة لعب بها شاطي باطي وجرها من الصحراء الى المدينة وكاد الوصول الى (السهل الممتنع) لولا فخ العقل الصحفي الذي ينطلي على الكثير من الكتاب فهو عقل جاهز وعجول متسرع وعادي بسيط، في حين يضفي العقل الادبي الفني سحره على المفردة والفكرة والحدث والشخصية فتشع بألف معنى مثل جوهرة تحت الاضواء.
نصيف فلك

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة