هيكل.. قلم السياسة بعيون الصحافة

برحيل محمد حسنين هيكل ..يفقد العالم العربي صحفيا لامعا دانت له الصحافة بالشهرة وشهدت له الاقلام بالابداع والتفوق.
وعندما تتعدى تجربة صحفي نصف قرن من الزمان ..سيكون مشروعاً ان يخوض تجارب اخرى الى جانب الصحافة ..لذا لم يجد محمد حسنين هيكل صعوبة في توظيف التاريخ في السياسة اتصالا مع انغماسه في عالم الاحداث السياسية.
ويصح القول ان هيكل أنموذج تعدى المحلية والعربية الى العالمية في تدرجه في مهنة البحث عن المتاعب فهو خاض غمار الاخبار وعمل مراسلا صحفيا وتنقل في عوالم الصحافة وفنونها وكتب اجمل التقارير والتحقيقات الصحفية وابدع في الصحافة الاستقصائية وتوج مهنيته ونضجه بكتابة المقال السياسي والمقال التحليلي ..فلفت الانتباه اليه ..واصبح قلمه شاخصا امام العيون ..وهو يحلل ويحاول الاقتراب من الحقائق ولطالما استقرأ هيكل احداث العالم العربي ومحيطها الاقليمي والدولي وكتب قراءاته لما يجري ولما سيكون عليه الحال في المستقبل فكان قلمه قلما سياسيا يستشرف مايجري بعيون وعقل الصحفي وهذا مادعا زعماء ورؤساء في بلاده وفي العالم العربي وفي دول اجنبية لفسح المجال امامه واستثمار افكاره واستشارته والانصات لقراءاته وفي الوقت الذي شكل هيكل مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ثنائية السياسة والصحافة بتفاعلية جعل من عبد الناصر ان يمنح هيكل الحرية الكامله لقلمه ليعرض وجهة نظر مصر تجاه مايحيطها من احداث وكانت مصر تعرف بوصلة السياسة عند عبد الناصر في مقال هيكل الشهير الاسبوعي (بصراحة ) في صحيفة الاهرام.
واخطأ خلفه انور السادات عندما اراد من هيكل تكرار التجربة مع عبد الناصر وظن ان قراراً رئاسياً يوقعه بتعيين محمد حسنين هيكل مستشارا في رئاسة الجمهورية سيضمن فيه صوت هيكل امام الشعب المصري فكانت المفاجأة برفض هيكل هذه (الرئاسة ) التي كان ظاهرها علو شأن وباطنها ان يكون هيكل من (بطانة ) التطبيع الذي حرف مصر عن طريق القومية والنضال العربي الذي اختطه جمال عبد الناصر.
وقد افلح هيكل عندما فضل السجن والنضال السياسي والمعارضة الوطنية على الرئاسة والوزارة وفرغ عقله وقلمه للرصد والتحليل وقراءة الواقع الذي حوله فانتج قلمه اهم الكتب والمذكرات عن احداث العالم العربي والمشكلات الدولية التي كانت تعصف بالعالم.
وبرغم الامواج المتلاطمة في عالم السياسة وتداخل المواقف استطاع هيكل ان يختار مركب المهنية في عالم الصحافة وان يخوض في غمار السياسة ويبحر فيها من دون مؤثرات وانحياز ومن دون قبول بمغريات ..نصف قرن حول فيها هيكل ثنائية السياسة والصحافة الى ثلاثية عميقة عندما وظف التاريخ كاداة لتحليل المواقف السياسية وقراءة الاحداث بنصوص صحفية وحوارات مبدعة ومؤثرة …. وداعا شيخ الصحافة العربية.
د. علي شمخي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة