الأزمة السوريّة تتجه نحو منعطف خطير

فجأة ومن دون مقدمات فرضت هستريا التدخل العسكري في سوريا نفسها على الخطاب السياسي في الرياض وانقرة. وهذه الانعطافة الفجائية مرتبطة في الغالب بموضوعين. الاول هو فشل مؤتمر جنيف والثاني مرتبط بالتقدم الذي حققته دمشق في جبهات الحرب بدعم من حلفائها وفي مقدمتهم روسيا، وبالاخص في محيط حلب. واذا استمر الوضع على هذا المنوال، فلن يكون هناك شك في ان دمشق وحلفاءها ستسيطر على حلب وتقوم بتصفية المعارضة.
وعلى الرغم من الزعيق العالي للرياض وانقرة، فأن تدخل هذين الطرفين في سوريا ليس سهلا البتة. ان اي تدخل في سوريا يحتاج الى غطاء دولي، اي انه سيكون محتاجا الى موافقة مجلس الامن. ومن البديهي ان روسيا قادرة على استعمال حق النقض لاحباط اي غطاء دولي. لكن قد يحظى التدخل بغطاء اميركي وهذا الموضوع بحاجة الى تفاهم اميركي- روسي.
التدخل في حد ذاته صعب، بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية، فأن هذا العام سيشهد اجراء انتخابات رئاسية ويرغب الديمقراطيون في الفوز بها. لذلك فأن خطواتهم في هذه الفترة حذرة جدا وهم لا يريدون ارتكاب اي خطأ. وهم في الوقت نفسه يرغبون في ان يزفوا للناخبين الاميركيين بشرى استعادة الرقة والموصل والقضاء على داعش قبل اجراء الانتخابات، لكنهم في هذا الخضم لا يريدون دفع السعوديين نحو الاحباط ولا يرغبون في منح الاتراك فرصة لتحقيق نصر كبير ولا يسعون الى تعقيد علاقتهم مع موسكو اكثر مما هي معقدة، ويخشون ان يسفر الوضع عن حرب شبه عالمية. ومن الصعب جدا على رئيس متردد مثل الرئيس باراك اوباما ان يحقق التوازن المطلوب في هذه اللعبة الخطيرة.
والموضوع برمته خطير حتى بالنسبة للسعوديين، فالسعودية متورطة في اليمن في حرب ضارية قد لا تنتهي حتى بالسيطرة على صنعاء العاصمة، اما تركيا فأن علاقتها المتوترة مع روسيا وتورطها في الحرب مع الكرد في جنوب شرق البلاد، تكاد تترك اثارا سيئة للغاية على قيمة عملتها ومستوى نموها واقتصادها، وهي بتدخلها تفتح الباب على مصراعيه للتورط في وضع اسوأ.
واخطر ما في الامر هو ان روسيا لن تقف مكتوفة الايدي وستضرب كل القوات التي تعبر الحدود السورية من دون موافقتها، وما صرح به الروس من ان هذا التدخل قد يتسبب في حرب عالمية، يجب اخذه محمل الجد.
الطرف الوحيد القادر على احتواء المشكلة هي الولايات المتحدة الاميركية ولها في هذا الصدد تجربة ناجحة اذ استطاعت التعامل بنحو واقعي مع الظهور المفاجيء للروس في سوريا وسيطرت على الوضع بحيث لم تتولد منه نتائج غير مرغوبة. وفي ظروف كهذه يكتسب التوافق الاميركي-الروسي اهمية خاصة.
عسكرياً، لا تواجه روسيا اية مشكلات لأن القوة الجوية الروسية المقتدرة قادرة في غضون عشرة ايام على تدمير كل قوات التدخل التي قد تتجه من جرابلس نحو حلب. تركيا قد تكون الطرف الذي يواجه اكبر المشكلات لان الحرب الروسية- التركية قد لا تقتصر على الاراضي السورية بل قد تتعداها الى البحر الاسود ومضيقي البوسفور والدردنيل. ويتضمن تاريخ العلاقات الروسية- التركية ما مجموعة 17 حرباً فازت فيها روسيا كلها وخسرتها تركيا. وبحسب ميزان القوى فأن نتيجة الحرب الثامنة عشرة معلومة مسبقاً.
لكن اذا تمكنت واشنطن من دفع الأطراف المتنازعة نحو توافق مقبول، فقد تنجو المنطقة من السيناريوهات السيئة، والا فأن كل الاحتمالات واردة.
فريد اسسرد

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة