الأخبار العاجلة

ليوناردو ديكابريو تحت براثن الدب في (المنبعث)

في أصعب فيلم في حياته..
محمد رُضـا
ناقد سينمائي ـ مصر

«هذا أصعب فيلم مثلته في حياتي» قال ليوناردو ديكابريو، لكن أحداً لا يستطيع معرفة مدى صعوبته الا عندما يشاهد هذا الفيلم النادر من نوعه في سينما اليوم.
فوز (المنبعث) بجائزة غولدن غلوب كأفضل فيلم درامي، وفوز مخرجه أليخاندرو غونزاليز إيناريتو بغولدن غلوب كأفضل مخرج، يضع الفيلم وصاحبه أمام ما تبقى من جوائز ومسابقات مختلفة. سيكون بالتأكيد أحد الأفلام المرشحة لأوسكار أفضل فيلم وسيقرأ المخرج أسمه في عداد المرشّحين لأوسكار أفضل مخرج، والغالب أن مدير تصويره إيمانويل لوبيزكي سيجد نفسه في عداد المنافسين لاستحواذ أوسكار أفضل تصوير.
لكن العمل على هذا الفيلم سيبقى في البال فاز بجوائز أخرى أو لم يفز. التجربة كانت من تلك التي تمتنع هوليوود عادة عن الإقدام عليها لخطورتها. في الواقع كان من المفترض أن يتم تجهيزه بميزانية 95 مليون دولار، لكنها ارتفعت حتى الآن إلى 135 مليوناً. بعض المشاكل كانت من صنع الطبيعة فهي لم تثلج فوق الربوع الكندية الشمالية أو الشرقية كما جرت العادة لتصوير هذا الفيلم هناك، فتم تغيير موقع التصوير، جزئياً، إلى أقصى وأقسى موقع أرجنتيني ممكن العثور عليه هناك حيث لا يعيش أحد قرر المخرج الذي فاز فيلمه السابق (بيردمان: أو الفضيلة غير المتوقعة للجهل)بـ 210 جوائز من مختلف الأحجام والتقديرات بينها أربعة أوسكارات، لجانب 181 ترشيحاً لم ينجم عن جوائز، تصوير فيلمه الجديد (المنبعث). كان يعلم، كما يقول، أن التصوير سوف لن يكون رحلة استجمام، لكنه اكتشف أيضاً أنه أصعب مما كان يتخيّـله.

بيئة قاسية
طبعاً الأحداث لا علاقة لها لا بكندا ولا بالأرجنتين. الرواية التي وضعها الكاتب الشاب مايكل بونك سنة 2002 بالعنوان نفسه تدور أحداثها سنة 1823 في براري أربع ولايات أميركية هي وايومينغ ومونتانا ونبراسكا وداكوتا. بطلها تاجر فراء أسمه هيو غلاس. رجل يكابد خداع الإنسان ووحشة البراري وقسوة الطقس وهجوم الدببة. في الواقع، تبدأ الرواية (وربما الفيلم) بهيو وهو يقع تحت براثن دب هائج يتركه بالكاد على قيد الحياة. رجلان يكتشفان وجوده بين الحياة والموت. لكن عندما يهاجم المواطنون الأصليون (الهنود الحمر) الثلاثة، يسرقان منه السلاح والمؤونة ويتركانه لمصير مجهول. على هيو أن لا أن يبقى حيّـاً مدافعاً عن حياته وسط تلك الظروف الصعبة فقط، بل عليه أيضاً أن ينتقم من اللذين تركاه ليواجه مصيراً مظلماً.
قام إيناريتو بمشاركة مارك ل. سميث أشهر أعماله القليلة فيلمي رعب هما (خلو) و(الثقب) بوضع السيناريو الأول سنة 2010 وتم تجهيز الفيلم للتصوير في الخامس عشر من شهر أبريل 2014 وبوشر تصويره في الشهر اللاحق ثم توقف واستؤنف في حزيران. ثم توقف مرّة أخرى واستؤنف في أكتوبر من العام الماضي.
لم يكن الطقس وحده السبب الوحيد وراء تأخر التصوير. من بعد أن جاب فريق التصوير (بقيادة مديره إيمانويل لوبيزكي الذي صوّر لإيناريتو فيلمه السابق) مناطق مثل ألبرتا وكانمور وبريتيش كولومبيا بحثاً عن الثلج والطقس القاسي، تم القرار بالتوجه إلى أقصى الجنوب الأطلسي (منطقة أوشيوايا وجوارها) حيث الحياة لا زالت مستقرّة غالباً كما كانت عليه قبل مئات السنين. لحاف من الثلج السميك والقرى المتباعدة والجبال الشاهقة المكللة باللون الأبيض من القمّـة إلى وديانها. هناك هز إيناريتو رأسه وقرر أن يكمل التصوير.
لكن المشاكل لم تنته هناك بل بدأت فيه.
المكان ليس سهل الوصول والعمل اليومي فيه شاق للغاية. والمخرج نفسه ليس السينمائي الذي يصوّر ما لا يرضى عنه مئة بالمئة. هذا يعني إعادة التصوير مراراً. يعني صرف ساعات على إعادة تشكيل وتصميم المشهد كما يعني تأخر التصوير وارتفاع الميزانية. إيناريتو يعترف بأن الميزانية ارتفعت لكنه يؤكد، في حديث لمجلة (ذ هوليوود ريبورتر) أنه كثير التدقيق بالمسائل المادية وأنه «مهووس» بالإلتزام بتنفيذ الميزانيات. لكن في هذه المرّة المسائل أعقد مما توقعه.
عدد من الفنيين المشاركين في العمل اكتفى بالشكوى: إيناريتو صعب المراس خلال العمل. عنيد في طلب الأشياء كما يريد هو. آخرون اشتكوا واستقالوا أو طردوا. لم يكترثوا لمواصلة العمل في تلك الظروف المناخية والنفسية الصعبة.
الممثلان الرئيسان في الفيلم، ليوناردو ديكابريو وتوم هاردي لم يشتكيا. أدركا قيمة الفيلم وأن الممثل هو جندي بتصرّف الآمر، الذي هو المخرج. لكن توم هاردي كان عليه التخلّـي عن بطولة فيلم كان ينوي الإشتراك ببطولته هو (فريق الإنتحار).

التصوير
صوّر لوبيزكي الفيلم بكاميرا دجيتال عريضة (Alexa 65). إمتثل لرغبة المخرج في تصوير الفيلم بأسره ضمن الإضاءة الطبيعية فوراً لأنه، كما ذكر، أحب هذا المنوال خصوصاً في تلك المشاهد الخارجية المفتوحة.
لكن إذا ما كان هناك مشهد واحد يلخص طريقة عمل لوبيزكي ويوجز ما تتطلبته من مهارة فهو مشهد هجوم الدب على ديكابريو. بحد ذاته هو مشهد فذ من حيث معالجته. الدب حقيقي وليوناردو طبعاً حقيقي (وليس هناك من ممثل بديل يؤدي عنه هذا المشهد) والتصوير تم في الطبيعة من دون أي قدر من الترتيب الغرافيكي.
كانت الرغبة في الأصل الإبقاء على الواقع كاملاً. لم يكن، من ناحية تصويرية بحتة، من المناسب استخدام أنوار إصطناعية لهذا المشهد بينما الفيلم بأسره طبيعي الإضاءة. هذا الإختيار جعل الفيلم بأسره يبدو حقيقياً وهذا المشهد بالذات حافـظ على واقعيّـته لدرجة أن المشاهد يشعر ما لابد أن الممثل ديكابريو كان يفكر به خلال التصوير: قد يقضي عليه الدب فعلاً إذا ما قرر ذلك.
استخدم لوبيزكي عدسات عريضة لتصوير الفيلم وأعرض منها لتصوير هذا المشهد. ولم يتم تصويره بكاميرا واحدة لسبب مهم: لن يتم إيقاف العمل وإعادة التصوير لأي سبب (الدب ليس ممثلاً وقد يقرر أن ينجز على هذا الإنسان الذي سقط أمامه) لذلك تمّـت الإستعانة (وهذا واضح من تركيب الفيلم أيضاً) بأكثر من كاميرا، بعضها ثابت وبعضها متحرك «محمولاً باليد».
الدب كان يهجم ويتوقف. كان هناك من درّبه على ذلك ودرّبه أن لا يقضي على الشخص الذي سقط أرضاً. أن يكون الخطر الدائم لكن ألا يكون القاتل. رغم ذلك، وتبعاً لديكابريو (الشجاع) وإيناريتو المخاطر، كان المشهد يمكن أن يفلت من أيدي الجميع. لذلك كان هناك رجال مسلحون على أهبة إطلاق النار في أي لحظة لقتل الدب إذا ما جنح.

أليخاندرو غونزاليز إيناريتو
مخرج فيلم «المنبعث»
تدربنا لأسابيع طويلة لتصميم المشاهد واسابيع اخرى لتصويرها لاننا كنا نستطيع التصوير في وقت محدد من النهار لكي نضمن الضوء الطبيعي والمناسب في شتاء تلك المنطقة . هذا لم يسمح لنا الا نافذة من ساعة الى ساعة ونصف من التصوير قبل ان نعود الى الفندق استعداداً لليوم التالي. لم يكن هنالك اي فرصة ممكنة لكي نخطئ العمل. كل عليه ان يعرف حركته بالتفصيل والكاميرا عليها ان تتحرك ثلاث خطوات الى هنا أو خطوتين الى هناك. لم يكن مسموحاً بأي خطأ.

* من حديث له في «الشرق الأوسط»

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة