«ظهيرة الحياة» لحسين علي يونس: النص الذي ينقل إلينا أصوات الشاعر

عبدالكريم كاظم
(الشعر يكشف القناع عن جمال الدنيا الخفي ويجعل الأشياء المألوفة تبدو وكأنها غير مألوفة/شيلي)

يخلق الشاعر حسين علي يونس في مجموعته الشعرية الجديدة «ظهيرة الحياة – 2016» الصادرة عن دار مخطوطات عالما مغايرا متصلا بالنص الشعري ويؤسس أنعكاسه الأولي .. أنه نص مغاير دون شك .. فالنص لم يعد مجرد كلمات أو جمل وشذرات مكتوبة على الورق وإنما هو شيء حقيقي كالحياة . يبدو للقراءة النقدية أن ثمة نصوص بعد أن تحولت إلى أشياء حقيقية ملموسة يمكن أن تجعل من المعنى علامة فارقة وتأتلف مع الدلالات ويراد من هذه الإشارة الجمالية أن يكون النص الشعري المجرد – هو الآخر – شيئا ملموسا .. لا فرق إذن بين الحياة والنص فهذا الأخير هو الموئل الجمالي الملموس الذي ينقل إلينا أصوات الشاعر المتصلة بحياته ونصوصه ومحاولاته التجريبية وتجربته الذاتية لا الشكل اللغوي أو التنميق البلاغي الممل وهكذا دخل الشاعر حسين علي يونس في محاورة طويلة مع سياق المعنى الجمالي المعطى والذي أصبح – بدوره – واضحا وملموسا .. لنقرأ: (بم يمكن أن أجيبك إذا كان الصمت قدرنا ونحن نعبر ظهيرة الحياة) . (في صباي رأيت الحياة جميلىة فتبعتها ومنذ ذلك اليوم وأنا أواصل الركض) .
ما يميز هذه المجموعة الشعرية هو تشديدها على فرادة كل معنى فيها .. انها تجربة فردية لا تبحث عن ناقد وإنما تبحث عن قارىء تندلع فيه شرارة المعنى ويختلط عليه الأمر المتصل بين الكتابة الشعرية وكيفية كتابة التجربة الذاتية شعريا .. إذ من الواضح أن الشاعر لا يفترض المعنى بل يتلمسه ليتعرف على ذاته الشعرية الموازية لروح النص ولغته أيضا . في هذه المجموعة ثمة انفرادات نصية إلى حد أن كل نص أو جملة فيها يمكنها أن تعلن للقارىء المتفحص عن المعنى لكن هذا لا يعني – في الوقت نفسه – أن الشاعر أو القارىء كان من السهل الوصول للمعنى وعلى كل منهما أن يختبر قدرته في الكشف عن مواضع الجمال المتصل باللغة والكتابة أو القراءة نفسها . وفي هذه المجموعة أيضا ثمة إضافات جمالية وتجاذبات لغوية وتساؤلات نقدية حول النص والحياة والتخييل والمعنى وانعدامه وثمة محاولة – من قبل الشاعر – نسف الأطر اللغوية الساكنة للنص ولمعنى النص ذاته وتقويض الدلالة المتصلة باللغة الشعرية حد التشكيك بجمالية المعنى ويبدو – للقراءة النقدية – أن هذه التقاطعات مقصودة من قبل الشاعر نفسه لترميم روح النص الشعري الجمالي على عكس القارىء الذي يستخدم مخيلته النقدية لهندسة لغة النص ومعرفة مصادره المتنوعة وأعني الحياة والتجربة والوعي الفني واللغوي والرؤية الصارمة للحياة نفسها . لقد كان الشاعر في أغلب نصوصه صارما في طموحاته الجمالية لفتح النص الشعري على آفاق فنية لا نهائية وعن أوهام اللغة الشعرية التقليدية أو المعنى المباشر والجاهز ومن هنا يمكن للقراءة النقدية التصريح بانها كانت تحمل المعاني نفسها والتي ينثرها الشاعر هنا وهناك وبهذا تبقى النصوص أشبه بحياة لما كان من النص أن يحدث هذه التقاطعات المتنوعة وهذا لا يعني أن الشاعر كان يكتب نصوصا هجائية ضد الحياة بل نصوصا مغايرة تنبش عن ما هية الحياة وخير برهان على ما نقول هو خلو البعض من نصوصه من الاستعارات أو المجازات القادرة لاخفاء معنى ما .. لنقرأ بعض من نصوصه: (لم تكن الحياة جميلة مثلما ظننت .. كانت مكلفة) (أكسر ذلك الروتين فتتبعني دموعه) (بعد منتصف الثلاثينات غزاني الشيب دفعة واحدة وقال ياحسين الشيب فتوحات ستجني ثمارها) .
في هذه المجموعة الشعرية يمكن القول أن النص المكتوب ولد من خلال تأمل لغة الحياة التي تجعل صياغة الكلمات على أساس اللفظ المطابق للمعنى وأعني كذلك التطابق بين الكلمات وواقع الحياة فقد بدا الشاعر وهو يصوغ كلماته على أساس اللفظ مثالا واضحا يدل على طبيعة الأصوات المصاحبة لصوته ومن هنا أيضا تدخل القراءة النقدية في مناطق جمالية كعلاقة صوت الشاعر بمعنى الحياة وما هيتها ولأن هذه العلاقة جمالية في حد ذاتها – كما اسلفت – فقد ازاحت كل الزوائد اللفظية المتصلة بالمعنى من جهة وبالكلمات من جهة أخرى .. لنتامل هذه المقاطع: (كل صباح أجد الشقاء قرب باب بيتي) (وأردت أن أبدل قدري لهذا وضعت أيامي في كيس وعبرت الحقول) (كنت احن إلى أصدقائي الذين هاجروا إلى بلدان أجنبية وتركوني في الغربة) .
يتعاطى الشاعر حسين علي يونس مع كلماته بمنتهى الادراك اللغوي وبصورة جمالية مغايرة وبوعي فني ذاك لأن الكلمات ليست مجرد حروف مركبة بل كائن حي له وزنه الخاص وقيمته الخاصة به التي تتجلى مع واقع الحياة ومع طبيعة الكتابة الشعرية نفسها واستحضر هنا – كإشارة – قول الناقد جاكوبسن: (كيف تتجلى الشعرية؟ إنها تتجلى في كون الكلمة تدرك بوصفها كلمة وليست مجرد بديل عن الشيء المسمى وكانبثاق للانفعال) .. لنقرا هذه الجمل الشعرية: (شموس وجهك المتناثرة تزداد اتساعا) (صوتك يرن في اتساع الكون) (أفكر بطرق لملمة الوحدة) (استدارة الحياة علمتني أن أعيد تدوير تعاستي) .
أن كل دلالاتنا النقدية التي ننشئها – من خلال القراءة – وكل الإشارات الجمالية التي نتلمسها لها طابع فني لا تلبث أن تستقر هادئة في فضاء المعنى اللغوي الموجز الذي ليس لسواه إلا القدرة على تجسير الهوة بين الحياة والنص من جهة وبين الشاعر وأسلوبه في الكتابة الشعرية من جهة ثانية .. من هنا أيضا يمكننا القول أن الشاعر يحاول ردم المسافة بين الحياة والتجربة وهذا لا يتم إلا باستحداث معنى ما .. وبمنتهى الإيجاز اللغوي .

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة