تأريخ بصري للبيئة

الفن التشكيلي القطري..
د. خالد البغدادي*

نستطيع أن نلحظ الحالة التشكيلية القطريّة وتطوّراتها كحالة فنيّة وثقافية تحاول أن تجد لها مكاناً تحت شمس الإبداع المتوهّجة، ووسط عالم يموج بالحركات والتيارات الفكريّة والفنيّة، ووسط تجارب عربية وعالمية مكتملة وناضجة نشأت التجربة التشكيلية القطريّة، وأفرزت ثلاثة أجيال من المبدعين الذين استطاعوا أن يقدّموا تجارب فنيّة ناضجة تشكيلياً وجمالياً.فالإنسان عامة والفنان خاصة هو ابن بيئته بما فيها من مفردات وخصائص وعناصر مادية أو ثقافية، تتسلل إلى وعيه عبر الأيام والشهور والسنين حتى تشكّل ذاكرته البصرية وتكوّن مخزونه الصوري، وتنمّي- بشكل غير مباشر – مخزونه النفسي والروحي، وسوف نستعرض هنا- وباختصار- بعض ملامح البيئة القطريّة التي ساهمت بالضرورة وبشكل مباشر في تشكيل وعي الفنانين القطريين، فهي النبع الأول الذي يستمد منه الجميع إبداعاتهم، وهي الذاكرة التي تحتفظ بكل أسرار الإنسان والمكان.

جاسم زيني.. الأب الروحي
يُعدّ الفنان جاسم زيني الرائد الأول للفن التشكيلي القطري، كأول فنان يحصل على شهادة مُتخصّصة في مجال الفَنّ التشكيلي، عندما كان أحد ثلاثة هم طليعة البعثات العلمية في دولة قطر، حيث ذهب إلى بغداد وحصل منها على بكالوريوس الفنون الجميلة عام 1968، من هنا بدأت خطواته الأولى نحو ممارسة الفَنّ التشكيلي كمحترف، ومن هذا المنطلق فهو يُعدّ فعلاً (الأب الروحي) للتشكيليين القطريين، لأنه أول من فتح أمامهم هذا الباب السحري الواسع المليء بالرؤى والخيالات على مصراعيه.
ويتميّز الفنان جاسم زيني في تعامله مع الفَنّ التشكيلي بحسٍّ إنساني متدفق وعقل مفتوح وإمكانيات فنيّة متنوّعة، ساعد في ذلك البيئة التي نشأ فيها بما تحمله من تجارب بصرية ثريّة وحرف شعبية وعناصر تراثية، وأيضاً معايشة للإنسان القطري إبان بحثه المستمر عن وسائل العيش مثل الصيد والقنص والغوص للبحث عن اللؤلؤ، مما ساعده على أن تكون بدايته في التعامل مع الفَنّ مرتبطة بمفهوم تجريبي فيضيف إلى أعماله خامات وبقايا البيئة التي يمكن أن تتعايش مع الشكل والمضمون الذي يريد توصيله. ولَعلّ من أهم أعماله التي تأتي في هذا السياق هي لوحة (ملامح قطريّة).

تحدي.. يوسف الشريف
كان الفنان الراحل يوسف الشريف أحد فرسان الجيل الأول في الحركة التشكيلية القطريّة، إلا أن القدر لم يمهله كثيراً، حيث وافته المنية عام 1987 ورحل عن عالمنا وهو في سن 29 سنة، ورغم رحيله المُبكّر إلّا أنه قد ترك بصمة في التجربة القطريّة من الصعب أن تُمحى، رغم أعماله الفنيّة القليلة التي تركها، لكنها تنم عن موهبة صادقة وتشي بحس (حدثي) ممتلئ بالشفافية والبراءة، حيث أراد- على حد قوله- أن يصنع نوعاً من (التأريخ) البصري للبيئة القطريّة، وما بها من مفردات شعبية وتراثية وبيوت قديمة وأناس بسطاء يعملون ليلاً ونهاراً لكسب الرزق، سواء في الرعي أم في صيد الأسماك واللؤلؤ، فقد انحاز للبسطاء الذين انحازوا إليه أيضاً. وأبلغ مثال على ذلك لوحته الشهيرة المسماة (استراحة الحمّال) التي تُعدّ مثالاً للوحة الواقعية التي تعبّر عن حالة من الهزيمة والانكسار أمام عجلة الزمن وحكم الأمر الواقع، حيث يجلس (الحمال) مطأطئاً رأسه ومنكسراً بجوار عربته الخشبية التي تعب منها وتعبت منه، بعد عناء يوم طويل من العمل والإرهاق وحمل أغراض الناس، أما اللوحة التي تُعدّ درة التاج في أعمال يوسف الشريف فهي لوحة (التحدي) التي كان يتحدّى فيها نفسه قبل أن يتحدّى المرض والموت، حتى أنه قد أتمها في ثلاثة أيام فقط.

يوسف أحمد ونخيل قطر
يُعدّ الفنان يوسف أحمد من أكثر الفنانين القطريين تفاعلاً مع عصره فهو دائم البحث والتجريب في الخامات والوسائط البيئية المتاحة في محاولة منه للوصول إلى معادل بصري مُغاير للصورة، كما يحاول دائماً استيعاب ما يحدث من متغيّرات متلاحقة سواء على مستوى الأفكار والموضوعات أم مستوى التقنيات ووسائط التعبير. وكان آخرها تجربته التي كانت مفاجأة للوسط الثّقافي عندما استطاع تخليق نوع خاص من الورق مصنوع من نخيل قطر وتحويل هذا الورق إلى أعمال فنيّة مسطحة ومجسمة/ثلاثية الأبعاد..!!
وبالتوازي مع التفاعل مع آليات عصره حاول الفنان يوسف أحمد طوال رحلته استكشاف القيم الفنيّة والجمالية الكامنة في بيئته المحيطة سواء في الخامة أم المكان أم الموروث الثّقافي والاجتماعي أم في العلاقة بين كل هذا.. بين ضوء الشمس المتوهّج والصحراء الممتدة إلى مرمى البصر والأفق الذي يظهر من جميع الاتجاهات، وهذا الفراغ الذي يغلّف كل شيء مما يعطي الإحساس بالراحة والبراح وكأنه يرسم مظهراً علوياً للصحراء يُرى من طائرة عالية (منظور عين الطائر)، مما يعمّق من مستوى فهمنا للطبيعة وإدراكنا بأنها المثير للأحاسيس والوجدان والمنشط للذهن وحالات التأمل المحفزة للخلق والإبداع.

حسن الملا والحسّ الإنساني
الفنان حسن الملا يمارس فنه ببساطة شديدة وتلقائية أشد دون حذلقة فنيّة أو أيديولوجية قد لا تخدم إبداع الفنان أحياناً، فالمثير الفني عند بعض الفنانين والذي يدفعهم للتفاعل والإبداع، ربما كانت البيئة وما تحتويه من عناصر ومفردات، أو المكان وما فيه من قيمة أو التراث وما فيه من إشارات ودلالات، أو غيرها من منطلقات الإبداع. أما اهتمامه بالقضايا القومية فلعلّ ذروتها يتمثل في تعبيره عن القضية الفلسطينية في أقصى وأقسى لحظاتها وصورها مثل لحظة اغتيال الحلم في استشهاد الطفل (محمد الدرة) ولحظة قتل البراءة في استشهاد الطفلة (إيمان حجو) كلحظة من اللحظات السرمدية التي يتوقف فيها الزمن وتخرس الأصوات وتعجز اللغة وتصبح الكلمات بلا معنى، فتأتي الريشة والألوان لتعتصر ألم تلك اللحظة التي اختزلت الزمان والمكان.

علي حسن والحروفية العربيّة
يُعدّ الفنان علي حسن من أهم فناني (الحروفية العربية) في قطر، وهي مدرسة حاولت إدخال الحرف العربي في البناء الفني التشكيلي، ويتواصل بهذا مع الفنان يوسف سيدا في مصر والفنان شاكر حسن آل سعيد في العراق، ورغم أن هذه المدرسة الفنيّة قد حققت إنجازات جمالية ملحوظة إلّا أن الدافع وراءها – في أغلب الأحيان – دافع (أخلاقي) أكثر منه دافع (جمالي) إلّا أن علي حسن قد حاول جاهداً من أجل حروفية خاصة به محملة بدلالات صوفية وروحية وبعيدة عن المعالجات التقليدية للحرف العربي من تقابل وتناظر وتداخل السالب مع الموجب والأبيض مع الأسود، مما يبعدنا عن القراءة (اللّغويّة) المتعارف عليها ويحيلنا إلى القراءة (البصريّة) الجمالية القائمة على التشكيل والبناء واللون. وهذا ما حاول تحقيقه في مجموعة أعماله المتميّزة لحرف (النون)، ذلك الحرف الذي استحوذ على مخيلته لفترة طويلة وحاول خلال هذه الأعمال تجاوز البناء الصارم للحرف العربي والقائم على قواعد وقياسات ثابتة منذ قرون طويلة من أجل (تفكيكه) ومن ثَمّ إعادة بنائه من جديد ولكن لأغراض (جمالية) هذه المرة وليس لأغراض (بلاغية).

* مجلة الدوحة

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة