البورتراي وجدلية الحياة والموت

في تجربة الفنّان كريستيان بولتانسكي

د.هندة بوحامد*

يعتبر كريستيان بولتانسكي وهو من مواليد 1944 من أهم الفنانين الفوتوغرافيين التشكيلين العالميين في فن البورتراي، وقد كانت تجربته خلاصة اختصاصات وتجارب متعددة خاضها باعتباره رسام ونحات ومخرج فرنسي وفنان فوتوغرافي تشكيلي معروف بتنصيباته الفوتوغرافية الضخمة.
منذ عام 1967 كان قد جرّب مع وسائل تعبير مختلفة مثل كتابة الرسائل وإنشاء ملفات وجمع نسخ مصورة ووثائق وصور فوتوغرافية أصلية من بعض الألبومات العائلية. فهو يقحم عناصر متأتية من محيطه الشخصي حتى أصبحت سيرته الذاتية واحدة من المواضيع الرئيسية التي تشكّل أعماله التّنصيبية.
ولد كريستيان بولتانسكي في نهاية الحرب العالمية الثانية في عائلة يهودية والتى ضلّت مميزة بذكرى المحرقة l> Holocauste التي تعتبر من أكبر وأشنع المجازر الانسانية التي عرفها العالم والتي تمثلت في الإبادة الجماعية التي عرفها اليهود الفرنسيين على يد هتلر، حتى أن آثار هذه المحرقة لم تمحى من ذاكرتهم إلى اليوم.
في أولى أعماله بدأ الفنان بولتانسكي في سرد بعض ملامح من حياته الخاصة، ومن ثم انتقل في مرحلة ثانية إلى ذكر الموتى كما ضحايا الجرائم، فمعظم الصور التي كان يرسمها مثلت شخصيات في وضعيات بشعة. وتبقى طريقتة في القصّ والسرد ذات خصوصية مبصومة بذاتية ومن دون كلمات.
في 1967 اقترب من عالم الفوتوغرافيا، كما كان شديد التأثر بعوالم أخرى من مجالات الفن؛ كالفيديو والسينما والمسرح ليفرض نفسه كفنان عالمي وشامل un artiste universelle، فكان يقرّ بأنه بالأساس رسام، وفيما بعد اعتقد بالمرئيات التي أصبحت تهمه كثيرا مثل الصور الفوتوغرافية والفيديو، واليوم يحدد نفسه في المقام الأول كــ»فنان» بما تحمله الكلمة من مفهوم عالمي.
في الواقع أن السيرة الذاتية التي اهتم بها كريستيان بولتانسكي في مشروعه الفوتوغرافي لم يقصد بها تأريخ الأحداث لأنه ليس بمؤرخ حتى لو كان في بعض الأحيان يفترض خصائص هؤلاء الرجال في كلماتهم، إنما هو فنان يصف نفسه بــ «رسام- فوتوغراف»un peintre/photographe .
إن أعماله تتّخذ شكل اللوحة الجدارية الكبيرة التي تشير دائما إلى فن ارتبط بالقرون الوسطى، والتي نجد فيها استذكارا لذكريات الطفولة والموتى كما الذكريات الشّخصية، ويعتبر هذا الفنان أن المعنى الحقيقي للحقيقة يكمن في الصورة باعتبارها أقرب إلى الحقيقة، هذا ما عبّر عنه وما يتجلى حقيقة من لغز المعاناة الذي تمثل من خلال إشارته إلى أعمال العنف التي ارتكبها النازيون خلال الحرب العالمية الثانية.

الكسر مع قواعد تصوير
البورتراي الكلاسيكي
لقد واكب بولتانسكي فترة بعد تحرير باريس أي منذ الحرب العالمية الثانية حيث علم بفقدان العديد من أصدقاء وأحباء العائلة، كما نجد في أعماله الفوتوغرافية عودة إلى مذبحة السكان المسيحيين وإلى ذكرى المحرقة. فمحتوى تنصيباته عبّر عن أفكار تشكّلت من البعد الذاتي الذي أراد أن ينحت من خلاله خصوصيته وأصالته كفنان معاصر. وهذه البعض من الصور التي تعود بنا الى الماضى والتي تعبر عن الجريمة الشنعاء التي حصلت لليهود الفرنسيين وهي جريمة لم تمحى من ذاكرة فناننا بولتانسكي.
على غرار هذه المذبحة والمأساة التي سجلت في الذاكرة، قدّم بولتانسكي سلسلة من الأعمال الفوتوغرافية التنصيبية التي كان قد ابتدعها من خلال أرشيف من الصور احتفظ به منذ الصغر أكانت صورا جماعية للعائلة أو صورا جمعت العديد من الأطفال والجنود والأشخاص المفقودين، فقد كان من اهتماماته تكوين أرشيف ضخم من صور ضحايا الحرب والمحرقة.
إن البحث عن المختلف وعن الجديد يبقى من رهانات بولتانسكي لتقديم صورة تحمل العديد من الاستقراءات الفلسفية والدلالية، وهو يعتبر في هذا الصدد أن المشكل ليس في خلق عمل فني ولكن معرفة كيفية اشتغاله، كما ليس من خلال صنع أعمال جميلة ولكن أعمال في بعض الأوقات تفهم أشياء للأفراد.
رغم أن هنالك من النقاد من يعتبره فنانا يمارس الفن على حساب الألم الإنساني، لكننا نجد أن بولتانسكي يرفض هذه الفكرة معتبرا أن صوره بلا استثناء ليست بموضوع فني فحسب بل إنها صور تكشف عن قضايا اجتماعية وعالمية.

البورتراي الفوتوغرافي وعلاقته بفنون العرض والتأثر بالأشكال التعبيرية القديمة والحديثة.
حين نقف أمام لوحات كريستيان بولتانسكي وتحديدا أمام لوحته «صندوق الذخائر»، يتولد لدى المشاهد أحاسيس من الحدادية التي تتأتى من أجواء الأضواء والظلال المصطنعة Artificiel التي جاءت متدرجة ضمن أنساق مختلفة، ذلك ما يؤكد أنه فنان يسعى نحو تخطي ما يمثله الواقع من محاكاة للعالم المرئي، ليبني لنا عالما مرئيا خاصا به متنحّيا في ذلك عن النسب الطبيعية للبورتراي ضمن صورة مكبّرة ومضخمة حتى يزيد في تفعيل فكرة التخاطب وخلق حوار مباشر مع المتلقي. فكأنه بهذا الأسلوب يعود بنا إلى فكر المفكر جاك أومون Jaques AUMONT عندما تحدث في كتابه الصورة l’IMAGE عن أهمية حجم الصّورة، معتبرا أن لهذا الأخير دور في تحقيق القرابة بين الأثر الفني والمتلقي والمكان. فمن جهة استند إلى الصورة المضخمة كأسلوب تقني ليتوخى فكرة المماثلة والتشخيص التي تعود بنا إلى المبدأ الذي قامت عليه فنون الكلاسيكيين والرومانسيين كما البعض من النماذج الفرعونية والمسيحية والإسلامية منذ القديم أين نجد صدى للأشكال الأيقونية القديمة، هذه هي أشكال التأثر بميزات الفنون القديمة التي تميزه ليجعل الزائرين منجذبين وتائهين ضمن فضاء البورتريهات. ومن جهة أخرى نجده قد أقام نصبه التذكارية على فكرة التوثيق والتسجيل، التي تعود بنا أيضا إلى العديد من الأعمال التي تندرج ضمن الواقعية التسجيلية كما الواقعية الفوتوغرافية التوثيقية الكلاسيكية التي كانت تسجل الحياة اليومية والاجتماعية والسياسية. وإذا تعمقنا قليلا سنجد أن مصطلحي التوثيق والتسجيل يعود تاريخهما إلى حقبات أقدم بكثير من الفترة الفوتوغرافية الكلاسيكية أي ربما منذ نشوء الإنسانية، ففكرة التوثيق هي المبدأ الذي قامت عليه أقدم الحضارات الإنسانية ألا وهي الحضارة البدائية أين كان توثيق اليومي والحياتي لدى الإنسان البدائي متمثّلا في رسم جوانب تتعلق بحيثياته اليومية على جدران الكهوف.
إن ما يقدمه بولتانسكي من خلال تنصيباته التذكارية يعكس قيمة فكرة الاستذكار ضمن مقاربة تتأسس على جدلية «الحياة و»الموت»، فهو يؤكد على أن إعادة تمثيل صور وبورتريهات لأشخاص قد ماتوا ليست عملية استذكار فحسب بل هي إعادة إحياء لهم فهم أشخاص خالدون. فكأننا بهذا الفكر نعود إلى أقدم الحضارات الإنسانية ألا وهي الحضارة الفرعونية الممجّدة لفكرة الخلود والحياة ما بعد الموت.

الّلوحة المسرح والتأثر بأشكال
التعبير الحديثة والمعاصرة
خلافا إلى النّزوع الديني الذي تبنّاه بولتانسكي إلا أن ذلك لم يمنعه من التأثر بأشكال التعبير الحديثة والمعاصرة التي إنبنت وفق إيديولوجيا تضمنت رؤى متجددة اكتسبت أبعادا ومفاهيم جديدة كانت قد استوحت من ميادين عدة كالمسرح والسينما والفيديو.
لقد حوّل هذا الفنان فضاءاته إلى عوالم مسرحية تجتمع فيها الأضواء بالضلال وبالصور، فأنتج في هذا الصدد عمله «أطفال ديجون»، وهي التنصيبة التي جمع فيها بين الفكر التشكيلي والمسرحي، ذلك ما يستدعي نظرنا وفكرنا وتأملنا إلى تكشف فضاءات مثيرة ومستحدثة تحمل العديد من الخلفيات الفكرية والفنية والفلسفية .
اهتم بولتانسكي بالمشهد الجزء، بمعنى أنه استعان في طريقة العرض بتقنية الإطار والتأطير ليتملك واقع البورتراي وليحوّل وجهته إلى نظام الشكل المؤطر والمعلق بغية جلب عين المشاهد نحو تكشف فضاءات جديدة للبورتراي، فقد أعطى لعملية الرؤيا نسقا مؤطرا ومتحكما في عين المشاهد تلك التي تجعله يتحول من مشهدية إلى أخرى حسب النسق التراتبي للصور، فتنتقل العين من جزئية إلى أخرى لتستوقفها صورة أولى ثم صورة ثانية، لتنتقل من جديد ضمن رحلة من التّجوال البصري. من هنا تتأتى قيمة منظومة الرؤيا التي جعلها مبنية وممنهجة، إنها الرؤيا التى كانت ومازالت منذ التصورات الإغريقية متأسسة على المعرفة الحسية من خلال التلاحم الفيزيقي بين الشيء وجسد الناظر. فالمشهدية التي ابتدعها بولتانسكي وفق تكرار وتواتر صور البورتريهات خلقت شكلا فرجويا لدى المشاهد، هكذا قدم تشكيلات ومشهديات أساسها «الفرجة» وهو المصطلح المستوحى من الفنون المسرحية والسينمائية، كما أن استعمال الكم الهائل من الإضاءة ومن المصابيح وسط الظلمة العاتمة زاد في تعزيز فكرة الفرجة داخل فضاء تشكيلي شاسع أشبه بفضاء مسرحي أبطاله أطفال ديجون المفقودين.

* مجلة التشكيلي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة