صالح مهدي عمّاش سفير للعراق في موسكو

محطات وشخوص في حياة الدكتور خليل عبد العزيز
الجزء الرابع
حاوره: فرات المحسن

في أحد أيام عملي في معهد الأستشراق أتصل بيّ مدير المعهد السيد غفوروف وأخبرني بوصول نائب رئيس الجمهورية ووزير داخلية العراق السيد صالح مهدي عماش صباح اليوم إلى موسكو ، وقد طلب عماش مباشرة بعد وصوله الحضور إلى معهد الاستشراق. ولذا هاتفني المدير وطلب حضوري فوراً إلى المعهد لمناقشة أمر السيد صالح مهدي عماش.
حين حضوري سألت مدير المعهد عن سبب الطلب المستعجل والسريع للسيد صالح عماش وبالذات لمقابلتك شخصيا، فأجابني بأنه على علاقة شخصية سابقة بالسيد عماش، ونشأت تلك العلاقة حين زار غفوروف العراق على رأس وفد لجنة التضامن الأفرو أسيوي لمقابلة المسؤولين العراقيين، وكانت للوفد مقابلات ونقاشات كثيرة مع الساسة العراقيين ومنهم السيد عماش. كذلك فغفوروف يعتقد بأن صالح مهدي عماش لديه رسالة يريد تمريرها إلى القيادة السوفيتية عبر المعهد، بعد أن تسربت قبل قليل أنباء عن عزله من مناصبه كنائب لرئيس الجمهورية ووزيرًا للداخلية وتعيينه سفيرًا للعراق في موسكو. وسألني السيد غفوروف عن رأيي في هذا الشأن، فأجبته بأهمية الآمر وضرورة استجلاء الوضع ومعرفة حيثيات ما حدث، لما لها من خطورة وتأثير في طبيعة الحراك السياسي في العراق.
عندها اخبرني السيد غفوروف بعدم استطاعته استقبال السيد عماش بصفة رسمية كون مرسوم تعيينه كسفير لجمهورية العراق في موسكو لم يصدر بعد بنحو رسمي. في هذه الأثناء طلب مني السيد غفوروف الخروج من الغرفة كي يتصل بالخارجية وجهاز المخابرات السوفيتي ليخبرهم باللقاء المرتقب ويستوضح منهم الجوانب الموجب اتخاذها في هذا اللقاء . وكان ذلك الاتصال وبحكم السياسة المتبعة،يتطلب السرية، لذا لا يمكن إجراؤه بحضوري. بعد ذلك عدت إلى الغرفة فأخبرني غفوروف بأن الجهات العليا وافقت على المقابلة، على أن أخبر السيد عماش بأن المقابلة خارج برتوكولات العمل الرسمي، كونه لم يقدم بعد أوراق اعتماده سفيراً لجمهورية العراق.وكان وصول السيد صالح مهدي عماش إلى موسكو وعلى متن طائرة عراقية خاصة، مفاجأة غير متوقعة لدى الجهات الرسمية السوفيتية.
بعد ذلك طلب مدير المعهد السيد غفوروف من السيد سعيد كاميلوف الاتصال بالسفارة العراقية وأخبار السيد عماش بأن مدير المعهد ينتظر حضوره . ووجه مدير المعهد كلامه لي طالباً مني عدم الخروج من الغرفة لاستقبال السيد عماش حين حضوره، وكذلك علي الجلوس والاستماع للحديث من دون تدخل أو تعليق. وكانت تلك عادة اتبعناها حين المقابلات الرسمية، حيث أجلس أنا مستمعاً ثم بعد انتهاء اللقاء نجلس أنا والسيد غفوروف لمناقشة ما دار من حديث. وهو دائمًا ما كان يطلب رأيي الشخصي في تلك اللقاءات ووقائع ما دار فيها. وقد أسرني السيد غفوروف بأنه يسعى من مقابلة صالح عماش للحصول على معلومات واضحة ودقيقة عن الذي يجري في العراق وبالذات بين صفوف حزب البعث.
جاء صالح مهدي عماش بمشيته العسكرية الموحية بحيوية ونشاط وجسد قوي. دخل الغرفة وصافح غفوروف وكذلك سعيد كاميلوف ومن ثم صافحني. وبدأ حديثاً ودياً مع السيد غفوروف، بعدها سأله غفوروف عن سبب قدومه إلى موسكو فراح عماش يروي السبب في مجيئه، شارحاً بالتفصيل ما حدث قائلا، البارحة مساء أخبرت بأن هناك دعوة لي على العشاء من قبل النائب صدام حسين في مطعم يطل على ساحة الجندي المجهول ، فسألت عن المناسبة لمثل هذه الدعوة فلم أحصل على جواب. بعدها ذهبت إلى هناك بصفتي نائباً لرئيس الجمهورية فوجدت أمامي السيد عبد الكريم الشيخلي الذي سبقني بالحضور واخبرني بأنه مثلي مدعو كضيف على العشاء عند الرفيق صدام حسين. جاء صدام حسين فجلسنا ثلاثتنا نتناول العشاء ودار بيننا حديث عام حول الأوضاع العامة في العراق ولم نتطرق طيلة العشاء إلى حديث خارج سياق ذلك. قاربت الساعة الثانية عشرة ليلا عندها ومن دون مقدمات استدار صدام نحوي قائلا : رفيق أبو هدى لقد تقرر تعيينك سفيرًا للعراق في الاتحاد السوفيتي ، أما أنت رفيق عبد الكريم فقد تقرر تعيينك مندوباً للعراق في الأمم المتحدة. سألت الرفيق صدام عن السبب لمثل هذا القرار فلم يجبني سوى بجملة واحدة قائلا، أمامك للتهيؤ والسفر إلى موسكو ساعة واحدة من الآن. وامتنع عن الرد على تساؤلي وتساؤل الرفيق عبد الكريم الشيخلي، عن نوع وسبب القرار وكيفية صدوره ومتى، وقال وبنحو حاسم بأن عليكم السفر خلال ساعة من الآن. وفجأة نهض واخبرنا بأن هناك سيارة تنتظرنا سوف تقلنا إلى بيوتنا لتجهيز حقائب السفر ثم تأخذنا إلى المطار، بعد ذلك خرج وتركنا في حيرة من أمرنا ولم نصحو من المفاجأة إلا حين جاء المرافقون ليخبرونا بضرورة التحرك وتنفيذ أمر الرفيق صدام حسين. ذهبنا إلى بيوتنا تحت حراسة مشددة ومن هناك إلى المطار حيث أقلتني الطائرة إلى موسكو مباشرة من دون أن أحصل على أي تفسير لأسباب ما جرى. وحين وصلت لم أجد مرسوماً أو كتاباً رسمياً يشير لتعييني سفيرًا في موسكو. بعد ذلك بدا بسيل من السباب والشتائم المقذعة والطعون الشخصية الموجهة لصدام حسين، عندها قاطعه السيد بابا جان غفوروف ليذكره بأنه جزء من السلطة في العراق وعليه عدم النسيان بأنه سوف يكون ممثلا للدبلوماسية العراقية بصفته سفيراً لها، وكل ما ينطق به له حسابات خاصة، والذي يشتمه هو نائب لرئيس الجمهورية العراقية وأنه أي عماش ممثل له وكذلك للدولة العراقية. بدأ حديث السيد غفوروف وكأنه أثار واستفز السيد صالح عماش لذا قال أن مثل هذا الآمر لا يعني له شيئًا ولا يؤثر فيه، وراح مرة أخرى في موجة جديدة من الشتائم لصدام حسين .بعد ذلك اخبره غفوروف بأن لقائهما هذا لا يحمل أي صفة رسمية وأن موافقته على اللقاء كانت شخصية ولكن ما دار من حديث بينهم سوف ينقله بأمانة إلى الجهات الرسمية السوفيتية العليا، فوافقه صالح عماش على ذلك. وكان واضحاً إن هذا الآمر هو ما سعى أليه صالح عماش وهو إخبار القيادة السوفيتية وإطلاعها على مجريات ووقائع الأحداث في العراق.
في نهاية المقابلة قدمني السيد غفوروف لصالح مهدي عماش باسمي وصفتي كموظف في المعهد. عندها طالعني عماش بنظرات غاضبة قائلا أليس أنت المحكوم بالإعدام في العراق بسبب جرائمك. فأجبته بنعم فقال: لو أننا التقينا في مكان أخر لكان لي معك حديثاً يختلف كلياً عن الآن، فأجبته بأن ذلك صحيح وسوف يحدث ذلك من جانبي أيضًا. وقبل أن يخرج من مكتب غفوروف طلب مني مرافقته فاعتذرت معللا ذلك بطبيعة وظيفتي في المعهد التي تمنع الأحاديث الشخصية الخاصة. وبعد هذا اللقاء جلست والسيد غفوروف لمناقشة ما دار فيه، فكنا على اتفاق كامل بأن ما حدث هو إقصاء للسيد عماش عن مراكز القيادة وعزله ووضعه خارج معادلة السلطة.
بعد مضي أسبوع وبعد أن جاء الآمر الرسمي وأنجزت مراسيم تعيين عماش سفيرًا لجمهورية العراق في موسكو. رن هاتف استعلامات المعهد وطلب السيد صالح مهدي عماش مقابلة مدير المعهد السيد غفوروف مرة أخرى. ومثلما المقابلة السابقة تكرر الحديث السابق ولكن عماش توعد هذه المرة بأخذ استحقاقه والثأر من صدام حسين شخصياً. عندها حذره غفوروف من تلك اللعبة الخطرة فمن الممكن لمجموعة صدام حسين أن ترصده ثم تغتاله. فمثل هذا الكلام والتهديد ربما يصل إلى صدام حسين، عندها سوف يوجه رجاله للعمل على اغتياله، ونحن نعرف جيداً بأن لصدام أيادي كثيرة ومنها داخل سفارة العراق، بالرغم من إن لنا قدرة على منع حدوث مثل هذا في الاتحاد السوفيتي كونك تحت حمايتنا. ولكني كسياسي ومطلع على خفايا السياسة في العراق أنبهك لهذا وأرجو ولمصلحتك أن تحد من تسرعك وشتائمك وتهديداتك. ولكن السيد صالح مهدي عماش كان دائما متماديا في شتائمه وتهديداته ويعتقد جازماً بأنه قادر على تحدي قوة صدام والعودة إلى العراق وأخذ الثأر منه. وكان يردد على أسماعنا، بأنه شخصيا والرئيس البكر من الجناح العسكري الذي نفذ مهام ثورة 17 تموز واليوم يجد أن صدام يعمل بالضد من هذا الجناح، متناسياً بأن من جاء به إلى السلطة هو هذا الجناح ، أي هو والرئيس البكر. وإن من يطيح به ويبعده عن الحكم هو الجناح العسكري هذا وليس غيره. وكان في حديثه يحمل نبرة ثقة كبيرة بانتصار جناحه والبكر في نهاية المطاف، وأن صعود صدام حسين ظاهرة خارج سياقات العمل السياسي والعسكري الرصين.
كان السيد صالح مهدي عماش رجل دولة وعسكرياً من الطراز الأول وموظفاً شديد المراس، دقيقاً ومهنيا، لذا غير كثيراً في وأوضاع السفارة العراقية وعمل موظفيها، فكان صعبا في تعامله وأسلوب عمله، وفرض على موظفيه إعداد تقرير شهري عن عمل كل واحد منهم. وكانوا جميعا يخشونه أيما خشية، لذا ينفذون أوامره بحرفية. وكان يشرف بنفسه يومياً على عمل السفارة إضافة لممارسته الرياضة اليومية.
في أحدى المرات تطرق غفوروف في حديثه عن شخصية مساعد الملحق العسكري في السفارة العراقية فاضل البراك وتساءل عن طبيعة علاقة عماش به، فأجابه صالح عماش بأن علاقتهما متوترة ووصفه بصفات سيئة وشتمه واتهمه بكونه جاسوساً لصالح صدام حسين ولا عمل له في السفارة غير جمع المعلومات عن أعضاء السفارة وكتابة التقارير المسيئة عنهم وكذلك ممارسة العمل ذاته مع الطلبة العراقيين ومنهم 2300 عسكري يتدربون في المعاهد السوفيتية وينتشرون في جميع أنحاء الاتحاد السوفيتي وخاصة الجمهوريات الجنوبية منه.
نشط صالح عماش بنحو كبير كسفير للعراق وراح في حراك متسارع لعقد الصداقات وتوطيدها مع المسؤولين وكذلك مع أدباء وفنانين سوفييت . وكان دائما ما يوجه لأغلب هؤلاء دعوات عشاء داخل السفارة العراقية، و يكرر ذلك بين فترة وفترة أخرى. وبعد أن تعرف على موسكو ومعالمها ومن بينها المطاعم الفاخرة، أخذ يقيم تلك الولائم في البعض منها. وكانت علاقاته مع المسؤولين السوفيت مهنية وجيدة ، وأي خلاف أو إشكال يحدث يتم حله بسهولة ويعود السبب في هذا لارتباطه المباشر بالرئيس العراقي أحمد حسن البكر الذي حرص دائما على تسهيل المهام وحسم المشكلات وخاصة في مجالات التعاملات الاقتصادية والعسكرية,
ولم يكن ليولي اهتماماً في جلب عائلته إلى موسكو. وفي أحدى المرات ، حين سأل عن سبب عزوفه عن ذلك، برر الآمر بأنه يتعلق بترقبه العودة القريبة إلى بغداد، وهذا ما اتفق عليه مع الرئيس أحمد حسن البكر مثلما أسر غفوروف بذلك. وفي مرة من المرات جلب زوجته في زيارة إلى موسكو، ولكنه بدا وكأنه ليس حريصاً على بقائها. فلم يكن يحتاج لها في موسكو، فهو زير نساء بامتياز، وكان يذهب يوميا إلى المطاعم كي يجالس الفتيات ويتناول الخمر، ولم يكن ليبخل على النوادل بالنقود ليكسب ودهم ويجعلهم حريصين على تلبية طلباته بتوفير الأماكن البارزة والقريبة من فسحة الرقص. ولم يكن ليبقى في السفارة أو دار السكن بعد نهاية الدوام، ودائماً ما شوهد يتجول في العاصمة موسكو وفي الأخير يختار له مطعما يقضي فيه أمسيته .

موسكو عاصمة الثلوج
في إحدى زياراته إلى معهد الاستشراق والتي كان يحرص على تكرارها بين فترة وفترة أخرى، تحدث عماش عن إعجابه الشديد بالعاصمة موسكو ورغبته الكتابة عن جمالها وطبيعتها الخلابة وأبنيتها التاريخية وأنه سوف ينقل في كتاب يعده مشاهداته عن معالم العاصمة. أستحسن غفوروف رغبته تلك ووعده بالمساعدة بعد أن بادر عماش بالقول بأنه لا يملك مصادر تساعده على أنجاز المطبوع، وهو لا يرغب تضمينه موضوعات سياسية. شجعه غفوروف وحثه على انجازه بأسرع وقت وإن المعهد يدعم هذا التوجه وبالذات حين يصدر عن دبلوماسيين غير سوفييت، ومن سفير دولة صديقة، والمعهد لديه رغبة في التعرف على مضمون ومحتوى الكتاب والمفاهيم التي ينطلق منها في رؤيته لعاصمتنا عند صدوره.
مضت ثلاثة أشهر جاء بعدها السيد السفير صالح عماش يحمل فصلا من كتابه المنوي طباعته ، وقد عرضه على مدير المعهد السيد غفوروف وخلال أيام تم الاطلاع على ما دونه عماش فوجد بأنه يخلو من المعلومات الدقيقة وقد كتب بعيدًا عن التقرير الصحفي أو المنجز البحثي، والطريقة الأدبية التي كتب فيها، تحتاج إلى الكثير من التعديلات، يضاف لذلك افتقار بعض الملاحظات للدقة والموضوعية. فحديث عماش عن أحياء وساحات وأبنية ومترو موسكو كان يفتقر للكثير من المعلومة الصحيحة والدقيقة. فقد أخذ الجانب الوصفي للمكان من دون البحث في تأريخه وتشكيله المعماري وأهميته. فمحطات مترو موسكو تعد من أجمل وأروع محطات العالم وهي متحف فاخر لما تحويه من تماثيل ورسوم وزخرفة ، وكتابة عماش عن هذا المترو افتقرت لمعلومات مهمة عن تأريخ أنشاء هذا المترو والتوسعات التي حدثت فيه والكيفية والمراحل والأعمال التي وفقها تم إنجازه، والعدد اليومي للبشر الذين يركبونه في تنقلاتهم، ومعلومات عديدة أخرى كان من الموجب أضافتها لو أريد النجاح للكتاب وإظهاره بطابع فني ومهني يليق باستعراض لعاصمة كبرى من عواصم العالم . وملاحظات المعهد وبالذات السيد غفوروف صبت في هذا الجانب وقدمت للسيد عماش بالكامل. عندها أبدى عماش رغبته بأن يتدخل المعهد في إنجاز الكتاب من خلال الإرشاد حول طريقة الكتابة وتدقيق المعلومة. ولكن السيد غفوروف طلب من صالح عماش القيام بإكمال الكتاب وتقديمه إلى المعهد كاملا للاطلاع عليه وتدقيقه وتدوين الملاحظات حوله وتنقيحه. وبعد أن أنجز السيد صالح مهدي عماش مسودة كتابه جاء وسلمها إلى السيد غفوروف، الذي بدوره كلفني والسيد سعيد كاميلوف بقراءة المسودة وتنقيحها وتقديم ملاحظاتنا حولها. وبدورنا قمنا بذلك ووجدنا فيما كتبه الرجل الكثير من المعلومات غير الدقيقة والناقصة وبالذات التاريخية منها عن الصرح والأبنية، وكذلك حول الشخصيات. وبعد فترة زمنية ليست بالقصيرة أعدنا كتابة بعض الفقرات وتصويب المعلومات. وكانت رغبتنا ودوافعنا في ذلك تصب في محاولة لإخراج الكتاب بنحو جيد وموثق بالمعلومة الدقيقة عن موسكو. ولكون عماش قد اخبرنا بأن الكتاب سوف يطبع في العراق فأردناه أن يظهر بحلة تليق بتلك العاصمة وتظهرها على حقيقتها التاريخية والجمالية أمام القارئ غير السوفيتي.وسبق للسيد عماش أن أبدى رغبته بطباعة كتابه في مطابع وكالة نوفوستي أو أحدى دور النشر السوفيتية فقدمت له معلومة عن كون المعهد لا يشارك في مثل تلك الأعمال، وإنه يختص فقط بطبع البحوث الخاصة بالمعهد من دون سواها، وليس لديه الاستعداد للمساعدة في طباعة كتب خاصة بأشخاص من خارج المعهد، والمعهد يتعامل مع أي كتاب فقط من خلال وجوده في مكتبة المعهد.
بعد أكمال التدقيق والإضافات والتعديلات على مسودة الكتاب سلمت للسيد صالح عماش الذي لم يبد أي اعتراض على الذي أجريناه من تغييرات لا بل فرح أيما فرح. وقد عرفنا قبل هذا وبطرقنا الخاصة رغبة السيد عماش الملحة لإصدار هذا الكتاب عن موسكو عاصمة الاتحاد السوفيتي كمحاولة منه التمويه أو أبعاد الشبهات العالقة بشخصه، والتي تدور حول علاقته بالمخابرات المركزية الأمريكية، التي أشيعت، مذ كان ملحقاً عسكرياً بسفارة العراق في الولايات المتحدة الأميركية. ودائماً ما كانت الأوساط السياسية السوفيتية تنظر نحو عماش بريبة وتشير لتلك العلاقة المشبوهة، ويظهر أنها كانت تتابع وترصد علاقته بالمخابرات الأميركية وتمتلك دون شك المعلومة عنه. وفي مثل تلك الحالات لن تسرب المخابرات السوفيتية معلومة أن لم يكن لها جانب كبير من الصحة.
عندما تسلم عماش المسودة كاملة مع التعديلات فاجأنا بقبوله المباشر على ما أجريناه من تعديلات وقال بأنه سوف يأخذ الكتاب معه في وقت قريب إلى بغداد ويعمل على أنجاز طباعته، فأخبره السيد غفوروف بضرورة أخذ الكتاب وتدقيق ما أحدث فيه من إضافات أقترحها المعهد ومن ثم إعطاء رأيه ولكن عماش بدا مصرًا على قوله الأول . وبعد فترة زمنية أخذ كتابه وذهب إلى بغداد وقدمه إلى شخص وزير الثقافة آنذاك السيد طارق عزيز الذي وافق على طباعته وتولت وزارة الثقافة الطباعة.
صدر الكتاب بعنوانه الجميل ( موسكو عاصمة الثلوج ) فكان لظهوره صدى طيباً بين أوساط الإعلاميين والمثقفين وحتى الدبلوماسيين في العراق والعالم العربي، وكذلك بين أوساط الأحزاب الشيوعية العربية التي كانت أدبياتها تفتقر لمثل هذا الكتاب بمعلوماته وصياغة جمله ووصفه لجمال موسكو . ولم تكن هناك إصدارات تماثله سبق أن قدمتها وكالة نوفوستي التي أصدرت العديد من الكتب والنشرات عن مدينة موسكو ولم تصل في محتوياتها لما جاء في كتاب صالح مهدي عماش موسكو عاصمة الثلوج.
وبعد أن صدر الكتاب جاء السيد عماش حاملا مجموعة كبيرة من النسخ قدم للمعهد أعداداً منها، فقام المعهد بدوره ووزعها على المكتبات العامة. كذلك قام السيد عماش بتوزيع العديد من نسخ كتابه على الوزارات والمؤسسات والاتحادات والنقابات وكذلك شمل التوزيع مؤسسة التضامن الأفرو أسيوي واتحاد الكتاب السوفيت والمجلات الأدبية وأرسله أيضاً إلى شخصيات ومكتبات في جمهوريات الاتحاد السوفيتي وخاصة الجنوبية منها.كان الكتاب ونشره وتوزيعه على جميع تلك المؤسسات والشخصيات العامة منفذا ومتنفسا للسيد عماش ومحاولة للبروز بين أوساط المجتمع السوفيتي. ولكنه لم يكن على دراية بطبيعة التركيبة المجتمعية والتأثير السياسي على تلك المؤسسات والشخصيات ، فليس من السهولة في الاتحاد السوفيتي أن ينال أحد رضا المجتمع ويكسب التقدير وينال الشهرة إن لم تقف خلفه مؤسسة أو واحدة من أجهزة السلطة والحزب العليا ، ولم يظهر أو يسطع نجم أديب أو فنان أو عالم ويحتل مكانة مرموقة في المجتمع السوفيتي دون أن يحظى بموافقة الأجهزة السلطوية أو الحزبية المتنفذة.
كان السيد عماش سعيداً جداً بظهور كتابه وسماع الانطباعات الحسنة والإطراء حول محتواه وعرضه لجوانب وطبيعة الحياة لمدينة موسكو، وأزداد فرحًا حين علم بأن كتابه قد نفذ من الأسواق ولذا فكر مباشرة بإعادة طباعته، وفعلا لم يألُ جهدًا لذلك، وفي أقرب فرصة ذهب إلى بغداد واستطاع إعادة طبع الكتاب مرة ثانية. وبعد أن شعر بلذة النجاح ، انفتحت شهيته ففكر بطبع كتابه مرة ثالثة وذهب إلى بغداد لهذا الغرض، ولكنه عاد أدراجه إلى موسكو هذه المرة منزعجاً ومتطيرًا ومتوتراً جداً وقد أفصح عن ذلك حين سألناه في زيارته إلى معهد الاستشراق عن نتائج زيارته الأخيرة إلى بغداد، فبدأ بشتم صدام حسين، وقال بأنه قابل طارق عزيز، فأخبره الأخير، بأن صدام حسين قد أرسل بطلبه وسأله عن الذي سمح له بأمر طباعة كتاب صالح مهدي عماش موسكو عاصمة الثلوج ووبخه وأمره بمنع إعادة طبع الكتاب مرة أخرى، وعليه أن يخبره في المقبل من الأيام بأي موضوعة تتعلق بصالح مهدي عماش. كان هذا الآمر صدمة حقيقية للسيد عماش لم يستطع هضمها بسهولة فراح ينفس عنها أمامنا بموجة عارمة من سباب مقذع وشتائم ووعيد لصدام حسين.
في أحدى المرات وبعد ان توطدت العلاقة بيننا وأصبحت زيارته إلى معهد الأستشراق شبه روتينية أخبرني السيد صالح مهدي عماش بأنه وجد صلة شخصية بأحد أعضاء لجنة التضامن الأفرو أسيوي وهو السيد أناتولي سفرونوف الذي كان يرأس تحرير مجلة أكَنيوك وهو شخصية إعلامية مشهورة على مستوى الاتحاد السوفيتي، وقد تحدث معه حول كتابه عن موسكو وتداول معه في بعض شؤون الأدب ومنها الشعر، الذي كان السيد عماش يعد نفسه واحداً من شعراء العراق المهمين ويشير في بعض الجلسات واللقاءات الأدبية إلى مديح وإطراء وإشادة بشعره صدر عن الشاعر محمد مهدي الجواهري. وفي ذلك اللقاء والمحادثة مع السيد أناتولي سفرونوف عرض عماش بعض قصائده الشعرية وهي قصائد محاورها مجالات حياتية مختلفة . أتصل السيد سفرونوف بمدير معهد الاستشراق السيد بابا جان غفوروف مستفسراً عن شخصية السيد صالح عماش الأدبية، وطلب رأيه فيما يكتب من شعر. كان رأي السيد غفوروف ايجابياً وأشار على رئيس تحرير مجلة أكَنيوك بضرورة نشر بعض القصائد الشعرية التي يكتبها صالح مهدي عماش ملحق مجلة أكنيوك. عند ذلك استدعى رئيس التحرير السيد سفرونوف مجموعة من المترجمين، عملوا على ترجمة بعض أعمال السيد عماش الشعرية، ونشرت في الملحق الشهري لمجلة أكَنيوك.كانت تلك المجلة تصدر بأربعة ملايين نسخة ويصدر عنها ملحق شهري يطبع بما يقارب المائة ألف نسخة، ومثلما جرى مع محمود درويش، فقد صدر الملحق الشهري حاويا أشعار السيد عماش. حينذاك ارتفعت معنويات السيد عماش ووصلت إلى الذروة وشعر بالفخر ووضع نفسه بمصاف شعراء العرب الكبار.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة