الأخبار العاجلة

الخشية مِن ارتكاب الإثم

السيرة الثانية للشاعر نصيف الناصري

صدرت عن دار «مخطوطات» في هولندا السيرة الثانية للشاعر نصيف الناصري ( الخشية مِن ارتكاب الاثم. بغداد – عمَّان- مالمو) ، تقع السيرة بـ ( 192 صفحة من القطع المتوسط ) . يتحدث الشاعر في هذه السيرة عن وقائع عاشها وأحداث شهدها في بغداد وسنوات عمَّان التي أمضاها برفقة شُعراء وكتّاب خلال النصف الثاني مِن سنوات التسعينيات، كما يتحدث عن وجهات نظره في الشعر ومسائل الكتابة وهموم المعرفة. ضمَّت السيرة 3 فصول وملحق، وجاءت الفصول على شكل شذرات للوقائع والكتابة عن الفعل الشعري. يتكوَّن الفصل الأول مِن 78 شذرة، تطول أو تقصر حسب الموضوع الذي يتمّ تذكّره أو الحديث عنه وفي بداية الفصل يتحدَّث الشاعر عن حياته في مدينة مالمو السويدية طوال 17 سنة وعزلته التي كرَّسها للتأمل والانتاج والعمل والقراءات، ومن ثم يعود ليتحدَّث عن حياته ببغداد. وجاء الفصل الثاني ب 76 شذرة جرى الحديث فيها عن الشعر العراقي والعربي واستذكار بعض الشعراء الذين ارتبط الناصري بصداقة معهم. الفصل الثالث ضمّ 40 شذرة تتداخل فيها الأزمنة والأمكنة ما بين المدن التي عاش فيها الشاعر. نتعرَّف في السيرة أيضاً على الكثير مِن أحداث ووقائع الشعر العراقي الصاخبة والنقد الذي رافقه معه أو ضدّه.
صمَّم غلاف الكتاب الشاعر والفنَّان ناصر مؤنس المشرف على «مخطوطات». وقد سبق ان صدرت للكاتب نصيف الناصري عن دار مخطوطات الكتب التالية: (الأعمال الشعريبة بمجلدين)، (إرث الأرتال التي تندثر بلا أمل)، (معرفة أساسية «سيرة». الحرب. الموت. الحبّ. الشِعر)، (الثلاثية الأولى: في انشاده لموته، الموتى بوفرتهم وغيابهم، الأحياء والموتى)، (الثلاثية الثانية: تعلّقاً بما يفرط في الرغبة، رمي الحصباء على النجوم، تجميل التوابيت)، ( الثلاثية الثالثة: جمع الثمار، التذمّر من المدينة الشغوفة بالطوفان، ملاقاة الذين توافدوا لسلب الغرقى)، (الرباعية الأولى: الحدود الجنائزية للزمن، دفع الديِّة، حواجز وكنايات، مناحاتهم على الغرقى)، (الرباعية الثانية: العيش في المتاهة، أحقيّتنا في الخلود، الغرق في الخلاء، تطويقهم لشِباك الصيد في الظهيرة). ومن المؤمَّل أن تصدر له مجموعة جديدة تضمّ 289 قصيدة والمجلّد الأول مِن (أبيات. مقطَّعات مِن الشعر العربي القديم) وهي مختارات تتحاشى النقل مِن كتب الحماسة المعروفة وكتب الاختيارات في تراث الشعر العربي.

مِن أجواء الكتاب

14
يعني لي «مفهوم الشعر» على الدوام انّه فعل خلاص وحرّية. الشعر ليس أدباً وهو معني بالأسطورة وطقوس الصيد والحصاد والسحر الخ. وظيفة الشعر تكمن في هذه الأشياء، لكنَّ الدين والسياسة وكلّ الايديولوجيات الأخرى استطاعت أن تُهيمن عليه وحرَّفَت جوهره ووظيفته الأصلية. لو عدنا الى مجمل تاريخ الشعر في العالم وبحثنا عن الحصيلة الابداعية فيه، لوجدناها ضئيلة عبر هذا الكم الهائل مِن كتب الشعر. الشعر يمنحنا الأمل والحب وهو قنديل معلَّقٌ في جباهنا ويرشدنا الى طريق الهاوية. لولا الشعر لكنتُ خاضعاً للعرف والتقاليد والمألوف في الحياة والمجتمع. منحني الشعر طاقة عظيمة في أن أحرّر ذاتي مِن الخضوع الى الأشياء التي تستلب الانسان وتدمّر حياته. كنتُ أعي مفهوم الشعر قبل نشوب الحرب العراقية- الايرانية سَنة 1980 وحين اشتركتُ فيها مُجنَّداً الزامياً، حرصتُ على أن لا ألوّث قصيدتي بما يطلبه مني مُناخ الدعاية والاعلام والنعرة الوطنية. عزَّزت الحَرب الطويلة فهمي للشعر على انّهُ أكثر قداسة مِن أن أسخّره للآني والزائل وكلّ ما يدمّر الانسان.

17
لا توجد في المكتبة المركزية لمدينة مالمو الكثير مِن الكتب العربية وأكثر ما فيها كُتب الطبخ والروايات والقليل مِن دواوين الشعر العربي القديم. الأمر نفسه ينطبقُ على مكتبة «روسنغورد» المنطقة التي يسكنها الكثير مِن المهاجرين. كُنتُ قد جلبتُ معي مِن عمّان حقيبة كبيرة ملأي بالكتب. أكثر مِن 50 كيلو غرام واضطررتُ أن أدفع الغرامة على الوزن الزائد. لم تكن في الحقيبة أيَّة ملابس أو أغراض أخرى. كتب فقط. أنا رجلٌ أقرأ طوال حياتي واليوم الذي لا أقرأ فيه، تصيبني الحُمّى. كُنتُ أذهب الى المكتبة وأستعير الكثير مِن الكتب حتى التافهة منها. قرأت أغلب ما موجود في مكتبتي مالمو الرئيسية وروسِنْغورد. طبعاً قبل 17 سَنَة لم يكن للأنترنت ذلك الانتشار الواسع ولم تكن الكتب العربية قد تم رفعها عبر البرامج المُتعدّدة لرفع وخزن الكتب. بالنسبة للصحف العربية فتصل الى مدينة مالمو بس «القدس العربي» و « الشرق الأوسط» ويمكن للمرء أن يحصل عليهما لدى كشك في سوق روسنغورد أو في محطة قطار مالمو. تَصَل مِن كُلّ صحيفة نسختين. أحصل أحياناً مِن صديق مُنتسب للحزب الشيوعي العراقي على مجلة «الثقافة الجديدة» التي توزّع على الشيوعيين بالاشتراك. عام 2004 اشتريت كومبيوتر عتيق بسعر مناسب وبدأت أشتري «دسكات» وأذهب الى بيت أكثر مِن صديق لهُم اشتراك في الانترنت وأملأها بالمقالات والقصص والقصائد التي تنشر في المواقع المختلفة. أعود الى بيتي وأظلّ أقرأ الليل والنَهار.

56
شهدت وتشهد أزمان العالم منذ بدء الخليقة الى الآن دورات واندفاعات مستمرة من البؤس والضرر الوحشي في جميع جوانب الحياة والطبيعة والانسان، لكن الميزة الأساسية للشعر والتي هي التصادم مع هذه الأزمان ومحاولة فضحها وتعريتها. تكمن في تلك الجهود التي لا تتوقف في محاولة تغيير المفاهيم المعرفية التي تحتضن هذه الأزمان. أن الكشف الحقيقي عن جوهر الحياة الانسانية البائسة والتي ألقي بها في هاوية العدم عبر قانون الصدفة العمياء. لا يستطيع الشعر والشاعر أن يفعلا له شيئاً غير الاصرار الدائم على ارتياد الآفاق السرية للوجود من أجل توسيع الجغرافيا الحلمية للإنسان والبحث عن السحر الكامن في ما وراء المادة، حتى تعاش الحياة بطرق أجمل من حقيقتها المريضة والمتعفنة دائماً. أن جدوى الشاعر في هذا الزمان لا تتحدد بمسألة الظروف التي تحيطه. الشعر في جميع العصور غير معني بالظروف الآنية، وهذه ميزته العظيمة التي نعّول عليها دائماً. وبما أن الفاعلية الشعرية هي التوغل المستمر في المجاهل السرية للعالم من أجل تعرية بؤسه وشراسته التي تذهب بعيداً في استلاب الانسان والكشف عن أسراره العميقة ومحاولة التصالح مع محتواه الذي يحمل بذور الفناء والعدم، فأن زمان البأساء والضراء هنا يبدو لا شيء أمام القوى العمياء التي تدمر آمالنا وأحلامنا في حياة لطيفة نحياها بكرامة انسانية حقيقية. جميع أزمان العالم هي أزمان وحشية وعدوة للإنسانية التي كتب عليها أن تنوجد في هذه المتاهة المحيرة التي نسميها الحياة والتي لا تمنحنا اللحظة الكافية في العيش والأحلام والتجوال بحرية في الليل الممتد من الميلاد الى الموت. لا جدوى لي ولصرخاتي في هذا الزمان ولا أستطيع كما كان مألوفاً بصيغة شعبية تخون جوهر ووظيفة الشعر الأساسية، أن أكون شاهداً ومؤرشفاً بطريقة المؤرخ البائسة عن هذا الزمان. أن أزمنتي وحياتي كلها ضارة وبائسة وعديمة الرحمة ولا تمنحني اشارة ما للخروج من الجحيم الذي أحيا فيه منذ أن ألقي بي في هذه الهاوية.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة