الأخبار العاجلة

في مهبّ الانكفاء على الذات

مياه متصحرّة لحازم كمال الدين:
عبدالكريم كاظم

الرواية غير قابلة للتصنيف/جان ماري لوكليزيو
يمكن لقارىء رواية حازم كمال الدين : (مياه متصحرة – دار فضاءات – 2015) أن لا يخضعها للتصنيف الفني المتصل بالقراءة النقدية لأنه سيصادف أسلوبية جديدة في الكتابة المقاربة للتجربة الذاتية ولحياة صاخبة متنوعة ومتداخلة .. وتنوعا في الثيمات السردية الموازية للنص الروائي والمصحوب ببعض الصور والخرائط التوضيحية والملصقات . فلا شيء في النص ينبىء بالهامشي الذي يؤرخ لجزء كبير من تغيرات المجتمع العراقي وانتقالاته أو تأريخيته وحضارته قبل وبعد التاسع من نيسان – 2003 نظرا لصعوبته وانفلاته من الوصفات السردية الجاهزة وإذا علمنا – اثناء القراءة النقدية للنص – بأن الروائي هنا يتطابق مع نصه أو بموازاة ذاته عرفنا أصل الفكرة وتعرفنا على ساردها الذي انشغل بادق التفاصيل المتصلة بتجربته الذاتية .
في غابة السلوكيات الطائفية المستعرة لا يخلو الكلام – في نصه الروائي – عن الهوية المجردة أو فكرة المواطنة من مخاطر جمة في ظل نظام عقائدي مغلق يتلاعب بمصائر البشر من منظور خيمة القبيلة أو المذهب والكلام عن الهوية المجردة سيكون عرضة لخطر ماثل: القتل .. من هنا تتفاقم الظواهر الغريبة الموازية للسلوكيات الطائفية بالمجتمع وتتورم وتستفحل .. وتتكرر هذه الظواهر أو تلك كلما يبدأ أو يستعاد الحديث عن موضوع الهوية واشتراطاتها الفكرية والحضارية والمعرفية .
في هذا النص الروائي أيضا ثمة محاولات متنوعة للتأمل الفكري لواقع المجتمع العراقي تسنى لمفاهيم الهوية أو الانتماء المجرد لمعنى المواطنة الوقوع في شرك التأويلات المضطربة التي تدفع الكثير للذهاب أو التحصن بالاوهام المذهبية التقليدية التي تضع الفرد العراقي في غير سياقه الحضاري والمعرفي والثقافي .. وهي اوهام واهنة تجاوزتها تجارب الكثير من المجتمعات .. أوهام توشك على صقل سلوك عنصري كامن في الذهنية المغلقة القلقة .
في أغلب كولاجاته أو لوحات الرواية إذا جاز لنا التعبير: (مفتتح/الصديق الأبدي النفق الحلزوني .. شجرة الأنساب/في عراء الغابة .. سعدون السفاح/التخوم/مرورا بالنفق الحلزوني .. حازم في الجب أو القرين صديق الطفولة/تجويف تاسع في النفق .. عز الله أونلاين) يدعونا الروائي إلى التمترس خلف فكرة توازي المعنى المتصل بالسرد بحيث تبدو لنا ذات الرائي مطابقة لذات القارىء وهذه من أهم ميزات النص الروائي المغاير التي تنسحب بدورها على طبيعة الكتابة الروائيىة المجردة وسوف يصطدم القارىء أيضا بواقع مأساوي لا يفرضه الرائي بل تفرضه طبيعة الوقائع المتماهية مع التجربة من جهة ومحاولة الانكفاء على الذات المتشظية من جهة ثانية وكلما حوصرت القراءة النقدية المعنى يصبح الكلام عن الذات إعلانا مضادا لهذه الذات والتي تصبح بدورها شأنا جماعيا (الابن/الاب/الجد) ملحا يسرد الأحداث الدراماتيكية ويفضح طبيعة التحولات البنيوية داخل التركيبة الاجتماعية للمجتمع العراقي أو داخل الطبيعة القمعية للانظمة السياسية المتعاقبة .
إن سعي الروائي حازم كمال الدين في هذه الرواية إلى رفض الشكل أو السلوك القمعي أو الطائفي المستعر بكل اسقاطاته وتداعياته وإشهار الرفض أو العداء له هو نموذج جريء في الكتابة الروائية الجديدة فهو لا يهمل المعنى ولا يتقاطع من دلالات النص نفسه وتمسكه بجوهر العقلية المتحررة في مجتمع بات أبعد ما يكون عن الحفاظ على أي شيء له علاقة بجوهر عقلية الإنسان العراقي وهويته وتطلعاته المستقبلية .
في هذا النص لم يسقط الروائي من حسابه الموضوع الطائفي الذي نخر المجتمع العراقي والذي لم يعد – للبعض – مثار دهشة أو أهتمام نقدي بعدما دخلت تلك الطقوس الغرائبية في العادات اليومية للمجتمع ما خلا بعض التفاصيل الجميلة البسيطة التي في طريقها – هي الأخرى – للانقراض . أن الرائي أيضا لم يغفل أن يشير في لوحات كثيرة إلى كون المجتمع قد تعرض لهزات نفسية متنوعة سببت له الكثير من الاشكاليات المتصلة بالتراتبية الاجتماعية القائمة بطبيعة الحال والواضحة في اختلاف فضاء مجتمعي خاص عن آخر حسب المرتبة الاجتماعية – وأعني مظاهر العيش والسلوك حسب تأريخ المجتمعات – بالخصوص أو حسب التصنيفات الاجتماعية المعروفة في كل مجتمع .
أتقن حازم كمال الدين – في نصه الروائي – فن القول المسرح – الحوار السينمائي إتقانا محكما فكان مخلصا لاهتماماته المسرحية والسينمائية إذ يتخلل نصه خليطا ومزيجا من اللغة المسرحية ولغة الحوار السينمائي في تعدده وتنوعه وفي بعض الأحيان تحتل اللغة المسرحية – تحديدا – مكانة أساسية في نصوصه فقد عرف كيف ينقل المعنى ليتجلى هذا المعنى باستخدام لغة لصيقة بالثراء السردي الفانتازي ويوشك حازم أن يكون نسيجا مغايرا في مشهد الكتابة الروائية الموازية لتيارات الحداثة والحساسية الجديدة في الكتابة السردية وهو الأمر الذي لم يحققه إلا من أدرك منجزات الحداثة في السرد الروائي خاصة وتمكن من سبر أغوار بنيتها المعرفية والجمالية والفكرية أو سيولتها اللغوية وفضائها الزمني الذي يتقاطع مع زمن (الكرونولوجيا) الذي يهتم بترتيب الأحداث والوقائع وفق فضاء مختلف .. فضاء تناسلي هيكلي .
لغة النص «مياه متصحرة» بالغة الصفاء والبساطة والقدرة على التعبير والنفاذ مما جعلها قادرة على تجسيد أعمق المآسي العراقية .. وفي لغة النص أيضا تدرك القراءة النقدية طبيعة النقلة الفنية التي أحدثها حازم في الكتابة عن المأساة العراقية وافرازاتها المختلفة .. والواقع أن الكشف – المتصل بالعنف الطائفي وملحقاته – الذي يعمر عالمه السردي ناتج عن رغبته في دفع المواجهة بين المعاني الموازية للنص ودلالاتها المتنوعة إلى غايتها القصوى التي نتكشف من خلالها أيضا حجم المأساة .. لنقرأ هذا التطابق المتصل مع الماساة: (تقتحمني ذكرى أولئك البشر الأحياء المدفونين تحت الأرض من آلاف السنين – ص 190) .
مما لاشك فيه أن عالم الكتابة الرواية لدى حازم يتسع ليتلمس أو يتقرب من عالم الشعر فقد قادنا الرائي إلى عوالمه الشعرية وبدأنا بالتعرف من خلال مخيلته أو سرده الروائي على مقاطع أو جمل هي أقرب إلى الشعر منها إلى السرد الروائي .. ويبدو للقراءة النقدية أن تجربة حازم في نصه هذا مقترنة بالشعر وهي أقرب ما تكون – في جانب منها – لصورة العراقي في طبائعه أو ميوله الشعرية على وجه الخصوص .. لنقرأ هذه الجمل السردية المقاربة للشعر: ( كالسديم أتكثف في حيز مبهم/أطوف أو اطفو في الحيز الغامض/ص 5) (لا أرض تمسك بي/الأرض هي جدار مقعر أيضا/ص 75) (أهب مسربلا بصرخة رعب/ص 160) (أدلف جحرا فيباغتني عقرب كبير وجهه وجه إنسان/ذنبه شبيه بسوط غليظ/مقارضه الأمامية كماشات لجرافات كبرى/عيناه مغلقتان ولكن زائغتان/وجنتاه بيضاويتان/شارباه ناعمان/جلدة رأسه لامعة/ص 168) .

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة