دلالات المكان والألوان في زيتيات المهديّة

قراءة في أعمال الرسام التونسي محمد أكرم خوجة ..

جلال باباي *

لم يتمكن أحد من مؤرخي الفن، أو بالأحرى من خلال فلسفة الفن، من تحديد مفهوم ثابت حول تعريف (المكان) من وجهة نظر فنية، ومع أن بعض المفكرين ناقشوا موضوع المكان من وجهة نظر الأدب والمسرح والسينما والرواية، إلا أن تلك المناقشات لم تكن شمولية وكافية فيما يتعلق بالفن التشكيلي الأولي القديم، وأن محاولة فهم المنجز الإبداعي التشكيلي في تلك العصور مقترن بالمكان كمصطلح فني.
وبذلك فإنه يمكننا القول أن مفهوم (المكان) من خلال وجهة نظر مؤرخي الفن القديم يرتبط بالزمان الذي أنجز فيه العمل الفني آنذاك. فيعرف وفق العصر الذي وجد فيه مقترناً بذلك المنجز. وذلك دليل قاطع على ارتباط (المكان بالزمان) ارتباطاً عضوياً، وهو ما حدا بالرسام التونسي محمد أكرم خوجة من خلال أعماله الملتصقة بمدينة المهدية (عاصمة الفاطميين) التونسية أن يعاين ما حوله من نبضات الحياة والتفاصيل المهملة التي يعايشها متساكنو المدينة، ثم ما حباه الله بالمهدية من امتداد فائق الدهشة للبحر الأبيض المتوسط الذي انقلب إلى جزء لا يتجزأ من حراك الناس، بحّارة وصيادين.. وعشاقاً ومتيّمين.. أو ما احتمل رفعه فوق تلاله الشفافة الزرقاء أحلام الرابضين بالميناء.

لوحاته البحرية أيقظت البعد الثالث في إحساسنا بالمكان
وحكايات المراكب والسفن التي شقّت عبابه بلا تردّد.. تداعب أمواج اليمّ، وتنغرس أوتاده بشموخ كلما خيّرت أن تنتبذ لها السماء حجاباً ورؤيا لاكتمال الشوط الثاني من الرحلة.. وإذا كان (المكان) فنياً يعرف كخلفية تنفذ فيها المنجزات الإبداعية التشكيلية، أو هو كالوعاء الذي يحوي الأشياء، فإن (المنظور) هو مجموعة الحلول التي يتوصل إليها الفنان بالممارسة للمنجز التشكيلي والتي بواسطتها يتمكن من تحقيق العمق (البعد الثالث) الذي يشاهد ويحس على سطح اللوحة في الرسم وعلى سطح الجدار في النحت البارز، وهذا ما تلمّسناه بالقوّة بارزاً في تناول تجربة الرسام أو عبر لوحاته البحرية التي أيقظت البعد الثالث في إحساسنا بالمكان والامتداد الذي أوشك أكرم خوجة على استنطاقه حين اختزل لمسته الداكنة فوق أزرق يترنّح يمنة ويسرة، وكأنه يوحي لنا باهتزازات النفس البشرية من الداخل ويعرب عن عدم الرضا بالسكون ويمضي على تأشيرة العبور إلى الخلاص والنوم على تلّة السكينة..

امتداد يكشط نقاوة البرزخ
الفنان محمد أكرم خوجة سافر بنا أشبه بصمّام أمان مرفوقاً بخريطة طريقه ليجازف إبحاراً نحو الامتداد الذي شكّله بؤبؤ بياض القماشة، ويطمئننا أن الفرشاة التي غمّست أزرقه اليافع بالتجاذبات الموسمية ورياح (الشلوق) (بلغة الصيادين) قد أمسك بناصية رغبتنا وهدّأ من روع السفر في أدغال البحر واختزل الخرافة بما حواه الماء المحيط بالمهدية من جانب شرقي ونيف ليكتمل ربع المشهد أقرب إلى شبه جزيرة ممّا حدا بالمقبرة التي تعانق المتوسط أن تحتل موقعها وتفتك لها عشّاً عليّاً على رأس صنوبرة شاهقة، متمثلاً في ربوة غزيرة بالبياض تشاكس بقايا من أسوار المحمية التي شكّلت في وقت من الأوقات التاريخية الغابرة حصناً للسكان آنذاك.. إذ بها اليوم ترتفع كمنارة عالية تتجاذب أطراف الحديث مع الامتداد الذي يكشط نقاوة البرزخ.. لعلنا بذلك نقرّ بشدة حضور الأزرق الذي سكبه الفنان بلا مزايدات على تلّة اللوحات التي خيّر أن تكون مرآة عاكسة وصادقة للمعيش والحراك الدؤوب الذي يقارع سكنات وإيقاعات عاصمة الفاطميين التي قضى بها الفنان محمد أكرم خوجة شباب عمره مشبعاً بالحنين والاعتراف بالجميل للمدينة التي أنجبت والده الرسام علي خوجة، فبعث وأسّس من أجل تكريس هاته القيمة رواقاً فنياً يحمل اسم أبيه بنهج محمد التركي بجانب (السقيفة الكحلة)، وفي هذا دلالة على سريان الوفاء لدى الرسام، سريان الدم في البدن، ويعلّق الكثير من التفاؤل لنجاح مشروع هذا الرواق الذي يحتضن الأطفال الواعدين الموهوبين واليافعين المهووسين بالفنون التشكيلية بمختلف مدارسها، إلى جانب ورشة الخط العربي التي تعدّ لبنة من لبنات التاريخ الإسلامي، وفاصلاً مهماً في الحضارة الفنية العربية..

وللأزرق في السماء سمو وعمق.. وفي المياه برودة وارتواء
أما عن هوس الرسام محمد أكرم خوجة باللون الأزرق الذي أفرده الرسام عشقه في مختلف تجلياته وتمظهراته (من الفاتح إلى الداكن) فلنا فيه ما نعبّر ونثني، إذ بات من المؤكد أن اللون ينطوي على فلسفة خاصة تتأسس من خلال الوعي الفلسفي للفنان الحقيقي، ويمكن التأكيد بأن الألوان قد تمرّدت على دلالاتها القديمة واستطاعت انطلاقاً من القدرات الإبداعية للفنانين التشكيليين الذين يجتهدون بتفجير دلالاتها لن يبتكروا لها دلالات جديدة، حيث إن الألوان تعد من العوامل والأدوات الأساسية في عمل الرسام الحقيقي الذي يسعى من حين لآخر إلى البحث عن ابتكار دلالات لونية جديدة، ومن كمّ تلك الألوان خيرنا التوقف عند الأزرق الذي طغى وتجبّر فوق لوحات محمد أكرم خوجة، وهو من الألوان الباردة، يقع في الدائرة اللونية مواجهاً لمجموعة الألوان الحمراء والبرتقالية التي يتكامل معها، وبين مجموعة الأزرق.. وهو يزداد عمقاً وشفافية حينما تحيط به مساحة سوداء مستوية، أو عندما يعرض بمساحات واسعة، وعند انتقاله من أمام خلفية بيضاء إلى خلفية سوداء فإنه يتحوّل من القتامة المظلمة إلى العمق المضيء، وعن تيمات وخصلات الأزرق فهو اللون الوحيد الذي يغمر سطح الأرض، وهو يحدّد الأبعاد، ويعطي الشعور بالعمق، وهو لون قابل للتأثر، سلبي بارد، يمتاز بتخفيف التوتر والعصبية عند الإنسان.. وللأزرق في السماء سموّ وعمق، وفي المياه برودة وارتواء، وفي الغيوم خير أمل، وهو مبعث للهدوء والتفاؤل.

* مجلة التشكيلي ـ تونس

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة