ليس بالاستفتاء وحده..

قبل الدخول الى الموضوع الأكثر رواجاً في اقليم كردستان (الاستفتاء)، لابد من العروج قليلاً الى جذور هذا الحق المشروع لكل الامم والاقوام والذي اقرته الدساتير والتشريعات الدولية (حق تقرير المصير). في العراق حظي هذا الحق بدعم وتأييد القوى الوطنية والديمقراطية بنحو لم نشهده في بقية بلدان المنطقة، وما التظاهرات التي انطلقت دفاعاً عن السلم في كردستان بداية الستينيات من القرن المنصرم، الا مؤشر واضح على درجة الوعي العالي الذي ارتقت اليه الاصطفافات السياسية آنذاك. لقد جسد شعار (الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان) مثل ذلك التطور في المجتمع العراقي المتعدد المشارب والمنحدرات. غير ان ذلك الوعي والمزاج، وكما هو الامر مع بقية الميادين الاخرى؛ تصدع وتقهقر بعد سلسلة الهزائم والاحباطات التي تعرضنا اليها جميعاً بغض النظر عن الرطانة والازياء. أما التغيير الذي بدأ في كردستان منذ التسعينيات ومن ثم ربيع عام 2003 في العراق والمنطقة، فلم يحصل بفضل تصاعد النشاط السياسي والعسكري لقوى المعارضة، بل عبر المشرط الخارجي، ومثل هذه الحقيقة المسكوت عنها تقف خلف كل هذه الهشاشة والمواقف الاستعراضية التي شاهدناها مع جميع القوى التي تورمت بعد “التغيير”، هذا الصعود المفاجئ لقوى وكتل لم تنضج لمهمات التحول الديمقراطي ومسؤولية ما يعرف بـ (المرحلة الانتقالية) كما حصل في جنوب افريقيا على سبيل المثال لا الحصر؛ هو من يقف خلف هذا السيل من الفزعات المجهضة. ان موقف الاتحاد الاوروبي والذي أكده مجدداً وفده الأخير الى اقليم كردستان، والداعي الى التريث في طرح مشروع الاستفتاء على استقلال اقليم كردستان عن العراق، يؤكد مثل هذه المخاوف التي يراها المجتمع الدولي من مثل هذه التوجهات البعيدة عن المسؤولية والحكمة. محاولات الهرب الى الأمام (الاستفتاء وملحقاته) وفي مثل هذه الاوضاع التي يعيشها العراق بنحو خاص والمنطقة بنحو عام؛ لن تفضي لغير المزيد من التعقيد للمشهد الراهن، وكل من يعرف شيئاً عن احتياطي الاحتقان والاستياء والتشرذم الكامن خلف الهدوء الظاهري في الاقليم، يدرك خطورة مثل هذه العطابات على حاضر ومستقبل الشعب الكردي في العراق وبقية بلدان المنطقة والعالم.
كردستان وكما هو حال العراق يحتاج الى الديمقراطية والحريات والتشريعات الشجاعة القادرة على انتشالنا من المخاطر المتربصة بنا جميعاً، من دون تمييز على اساس “الهويات القاتلة”. ومثل هذه المهمات تحتاج الى همة وحيوية محلية، لا استجداء المزيد من التدخل الدولي، كما حصل مع الامم التي وصلت لسن التكليف الحضاري. لقد أطاحت الاحداث والتطورات الاخيرة (الحرب ضد داعش وانهيار اسعار النفط) بكم واسع من الادعاءات والخطابات الشعبوية والديماغوجية، وكشفت عن حجم الفواتير المؤجلة التي تسببت بها سياسات الاحزاب المهيمنة والتي لا تختلف في بنيتها وتوجهاتها وسلوكها عما موجود لدى المكونات العراقية الاخرى. ومع مثل هذه الاصطفافات السياسية والآيديولوجية ومشاريعها الفئوية الضيقة، لن يقدم الاستفتاء ولا الدولة المستقلة الا المزيد من التشرذم والغرائبية للمشهد الراهن، الذي هو اليوم بأمس الحاجة لمواقف وسياسات تخفف عنه كل هذه العتمة وضيق الافق والعدوانية والشراهة في قضم حقوق بعضنا البعض الآخر..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة