اشتهاء الموت

معتز رشدي

بين المرض، والمريض، وسيط، هو الطبيب، وهو عنصر وظيفي، محايد، لا تربطه بالمرض، ولا بالمريض، علاقة قربى. تجاهل الحببيب خضير ميري وصايا الطبيب، ومنها الالتزام بالعلاج، والانقطاع عن الخمرة، وعن التدخين، او الإقلال منهما، ان امكن. ما فعله خضير هو الافراط في الشراب، وفي التدخين، مع ما يصاحبهما من جهد عصبي في سهر، يتكرر، كل ليلة، ترك بقاياه على صباحات، وعلى حالة راحلنا العزيز الصحية، تعباً، وصفرة وجه مريبة. هل انطوت استجابه خضير على مازوشية من نوع –ما؟ الإجابة: نعم: فقد كان يعلم، تمام العلم، مدى خطورة مرضة، اي انه مرض مميت. وكان يعلم –أيضا- ان علاجه ممكن، وفي ظرف زمني، ينبغي فيه، عليه، الالتزام بجدول طبي-ما. كانت استجابة خضير مازوشية، ومنطوية، في الآن، ذاته، على رغبة عارمة بموت، تسبقه صور، ودموع، وشتائم لحكومة،- وفرت له راتب سجين سياسي، ووظيفة راقية في أكبر صفحها-.. وللمجتمع، ولعائلة- خذلته!-، ولنصف دزينة من نساء كان الراحل يفتخر برضائهن به زوجاً، ولكنهن!، خذلنه، في مرضه، برغم خذلانه، هو، نفسه، لبعضهن، اثناء حياته. بعض مثقفينا جانبو الصواب، كله، بتشبيههم راحلنا، براحل آخر هو شاعرنا العظيم بدر شاكر السياب!، أنا، من جهتي، لم أجد بين الراحلين وجه شبه جامع بينهما، باستثناء ان راحلنا العزيز خضير توفاه الله عن مرض في تاريخ يوم قريب من يوم وفاة السياب قبل أكثر من خمسين سنة؛ مات السياب معدماً، حتى ان عائلته، طُردت، ورُميت أغراض منزله إلى الشارع، في يوم وفاته، بسبب من تأخره عن تسديد ما بذمته من ايجارات منزله، أما خضير فمات غنياً، غناً معتبراً، إذا ما قورن بحالة السياب، وبحالة ثلاثة ارباع مثقفينا، اليومَ. رحل الجيكوري الخالد مغضوباً عليه من اصدقائه، ومن حزبه، أي الحزب الشيوعي، أما خضير فقد احتفى به الحزب، وأعانه، مادياً، غير مرة، برغم عدم انتمائه للحزب، في وقفةٍ تُحسب للحزب، وهما احتفاء وعون مادي ومعنوي يستحقهما خضير . رحل السياب شبه وحيد، أما خضير فقد أحيط برعاية انسانية مؤثرة، ومديدة، من اصدقاء له، ولنا، كالشعراء اسماعيل طرار، وحميد الناعس، وريسان الخزعلي، والاعلامي علاء الماجد، والمبدع عبد الغفار العبودي، والكاتب صبيح عفوان.. أصدقاء لم يفارقه بعضهم ليلة واحدة. نم مطمئناً أخي المبدع خضير.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة